منتدى الاحلام


اسلامي - اجتماعي - ثقافي - رياضي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
اشترك فى منتدى الأحلام واكسب الحسنات باذن الله
نرحب بالضيوف الكرام ونتمنى من الله عز وجل ان يتقدم المنتدى الى الامام لما فيه خير للاسلام والمسلمين
مطلوب مشرفين لجميع أقسام المنتدى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (ثلاث مرات
أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربَّ أعوذ بك من عذابٍ في النار وعذاب في القبر
"اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خَلَقتني وأنا عَبْدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت وأعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمداً عبدك ورسولك" (أربع مرات
اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر
اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت. اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت" (ثلاث مرات
"حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (سبع مرات
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي
اللهم عَالِمَ الغيب والشَّهادة، فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن اقترف على نفسي سوءًا أو أجُره إلى مسلم
"بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" (ثلاث مرات)
رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً" (ثلاث مرات)
"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كُله ولا تَكِلْني إلى نفيس طرفة عين"
أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذه اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده"
"أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبيَّنا محمد صلى الله عليه وسلم وملَّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين"
"سبحان الله وبحمده" (مائة مرة)
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (عشر مرات) (أو مرة واحدة عند الكسل)
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”(مائة مرة إذا أصبح)
"سبحان الله وبحمده عدد خلقهِ ورِضَا نفسِهِ وزِنُة عَرشِهِ ومِداد كلماته" (ثلاث مرات إذا أصبح)
"اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً" (إذا أصبح)
"أستغفر الله وأتوب إليه" (مائة مرة في اليوم)
"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (ثلاث مرات إذا أمسى)
"اللهم صل وسلم على نبينا محمد" (عشر مرات)

شاطر | 
 

 موسوعة أعلام الجزائر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:30 pm










موسوعة أعلام الجزائر

هذه سلسلة موسوعة أعلام الجزائر سأدرجها في هذا القسم الطيب الخاص برجالات الجزائر و أبطالها وعلماءها و أئمتها ممن حملوا على أكتافهم مشعل نور العلم وساهموا في إثراء رصيد الجزائر الفكري و الثقافي والعلمي ليتسنى لأعزاءنا القراء سواء كانوا أعضاءا أو زوارا أن يعرفوا مزيدا من أعلام الجزائر العظماء.
أخوكم : نـــــــــزيه

الحلقة الأولى

1 - العلامة الجزائري شيخ النحو و رائد النظم فيه يحي بن عبد المعطي

هذه ترجمة لأحد علماء الجزائر الأفذاذ ، إمام عصره في النحو واللغة، ورائد نظم المسائل اللغوية و النحوية، تُعد ألفيته " الدرة الألفية " أول مؤلف في النحو صيغ بقالب شعري، أشتهر بغزارة العلم و سعة المعرفة ، فقد ألف وحقق الكثير من الكتب ، ولم يقتصر على علم واحد أو نهج معين كما تدل على ذلك مصنفاته الكثيرة ، وقد شهد له العلماء و الأدباء بأصالته و عمق فكره ، ويكفيه فخرا ما وصفه به مؤرخ الإسلام الإمام الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ج 22 ص 324) بأنه العلامة وشيخ النحو و الفقيه ، فيقول عنه حرفيا في الترجمة رقم 196: " العلامة شيخ النحو زين الدين أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي المغربي النحوي الفقيه الحنفي مولده سنة أربع وستين وخمس مئة وسمع من القاسم بن عساكر وصنف الألفية والفصول وله النظم والنثر وتخرج به أئمة بمصر وبدمشق".

كنيته و نسبه و مولده:
يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي ،زين الدين، يكنى بأبي الحسين، و بأبي زكريا ، أما شهرته في المشرق و المغرب فهي " ابن المعطي و ابن معط".
ويقال أنه لقب بزين الدين لقوله:

قالوا تلقب زين الدين فهو له *** نعت جميل به قد زين الأمنا
فقلت لا تعذلوه إن ذا لقب *** وقف على كل بخس والدليل أنا


و ينتسب ابن المعطي إلى منطقة زواوة التابعة لمدينة بجاية الناصرية (الشرق الجزائري)، حيث ولد بظاهرة بجاية سنة 564 هـ.

عصره:
عاصرابن معطي بداية ظهور الدولة الموحدية، و ما صاحبها من اضطرابات سياسية و حروب عسكرية لتثبيت أركان الدولة ، ولم تؤثر هذه الاضطرابات على النواحي العلمية و الفكرية ، فقد شهدت دولة الموحدين نهضة علمية كبيرة، فيلاحظ الاهتمام الكبير بالعلم و الأدب و الفكر و الثقافة، ولذلك ازدهرت العلوم الشرعية وعلوم العربية من نحو و لغة و عروض وتاريخ و سير، كما شهد المشرق العربي انتصارات صلاح الدين الأيوبي و خلفاؤه ، و سحقهم للصّليبين، و تطهيرهم للأراضي الإسلامية من دنسهم، وإخراجهم مدحورين مهزومين، يجرون ذيول الخيبة و العار، وكذلك بقضائهم على الدولة الفاطمية الرافضية فقد شجعوا بطريقة مباشرة و غير مباشرة النشاط العلمي، و برزت نتائجه في كتب نفيسة أثرت المكتبة العربية في كل فن، وبرز علماء أجلاء في العالم الاسلامي ، كالإمام المحدث الفقيه الأديب أبو محمد عبد الله الاشيري، والعلامة المحدث محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان التجيبي التلمساني ، في الجزائر و المغرب ، أما في المشرق فقد برز الإمام الحافظ ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق و غيرهم ، أما في علوم العربية فقد طلع فيها نجم علماء عباقرة منهم الجزولي و السهيلى و الشلوبين وابن خروف و ابن عصفور و ابن مضاء و غيرهم، فأصبح كل عالم من هؤلاء مدرسة قائمة برأسها فانتشرت انتشرت المدارس النحوية، وصار الطلاب ينتقلون بين المدارس يطلبون علوم العربية من بلاغة و نحو و صرف التي عمت و انتشرت ، و تشعبت موضوعاتها و أبوابها.

رحلاته في طلب العلم وشيوخه:
لمّا أضحى المغرب العربي معجبًا بالمشرق خطر لابن معط أن يرحل إلى المشرق. وذهب إلى دمشق حيث الدولة الأيوبية التي كانت مهتمة بالعلم والأدب، وبإعداد الجيوش للدفاع عن أرض الإسلام والمسلمين. جاء ابن معط إلى هذا الجو الجديد ونشأ فيه، وأقام بدمشق واستقبله سلطانها استقبال عالم لعالم؛ فقد كان الملك عيسى بن محمد الأيوبي محبا للعلم، عالما بفقه الحنفية وبالعربية، ولذا، فقد عرف قدر ابن معط، وأكرم وفادته وولاّه النظر في مصالح المساجد. وجلس يقرئ الناس اللغة والأدب. وعندما توفي الملك عيسى الأيوبي سنة 624هـ، تولى الحكم الملك الكامل الذي كان، كسابقه، محبًا للعلم والأدب، فولاه إقراء الناس الأدب والنحو بجامع عمرو بن العاص، عندما سافر مع الملك الكامل إلى مصر. وجلس يؤدي واجبه في نشر العلم و تدريس النحو و الصرف الى وفاته رحمه الله بمصر ، وقد أخذ العلوم الشرعية من تفسير و علوم الحديث الشريف و الفقه، و العربية على يد علماء أجلاء اشتهروا بسعة العلم و التبحر كل في ميدان اختصاصه و سأقتصر على ذكر ترجمة قصيرة لأربعة منهم، كان لهم الأثر القوي في تكوينه و هم:

1- الجزولي: الامام النحوي ، عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى أبو موسى ( ت 616 أو 617 هـ) الجزولي نسبة إلى جُزُولة ، و هي بطن من اليزدكتن في مراكش الجنوبية.

" الامام الخطيب النحوي ، العالم بالقراءات، بعد أن أتم دراسته الأولى في مراكش ، لزم دروس الفقيه القاضي اللغوي المشهور أبي محمد عبد الله بن بري بمصر لما حج وعاد ، الذي قيد عنه الجزولية في العربية، كما درس هناك صحيح البخاري على أبي محمد بن عبيد الله، و بعد مصر رجع إلى المغرب ، و أقام ببجاية زمنا انصرف فيه إلى تدريس النحو[ و قد استفاد من هذه الدروس مترجمنا]،كما ألف أثناءها المقدمة المشهورة بالجزولية، وهي حواش على الجمل للزجاجي، و تسمى ب: "رسالة القانون" أيضا.

ثم تصدر للإقراء بالمرية ( الأندلس ) ،ودرس فيها النحو مدة من الزمن ثم رجع إلى مراكش حيث عيّن خطيبا بمسجدها الجامع، و توفي بازمور من ناحية بمراكش سنة ست أو سبع عشرة وستمائة.


و من أهم مصنفاته:

- المقدمة التي ذكرتها سابقا

- شرح أصول ابن السراج
- مختصر لشرح ابن جني أبو موسى عيسى بن عبد العزيز لديوان المتنبي.
- آمال في النحو .
و من أشهر تلامذته ابن المعطي، و أبو على الشلوبين".

2- ابن عساكر: " الإمام المحدث الحافظ العالم الرئيس بهاء الدين أبو محمد القاسم بن الحافظ الكبير محدث العصر ثقة الدين أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي المعروف بإبن عساكر ( ت سنة 600 هـ ) أجاز له الفراوي وزاهر وقاضي المارستان والحسين بن عبد الملك وعبد المنعم بن القشيري وابن السمر قندي وهبة الله بن الطبر ومحمد بن إسماعيل الفارسي... و قد سمع من أبيه الكثير و شاركه في أكثر مشايخه سماعا فأجازه، و صنّف عدة مصنفات و خلف أباه في إسماع الحديث في الجامع الأموي و دار الحديث النورية ،وكتب ما لا يوصف كثرة بخطه العديم الجودة وأملى وصنف ونعت بالحفظ والفهم".



ومن أهم مصنفاته:

- تاريخ دمشق.
- الجامع المستقصي في فضائل الأقصى.
- فضل المدينة.
- الموافقات.
- الأطراف الأربعة.
- الجهاد.
- مجالس إملاء

و قد سمع عنه ابن معطي الحديث، و رحل إلى الحجاز ومصر و أسمع بهما و كانت وفاته يوم الخميس ثامن صفر و دفن بعد العصر".

3- زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن [ تكرار اسم الحسن و زيد ثلاث مرات ] ابن سعيد ابن عصمة بن حمير بن الحارث الأصغر، تاج الدين أبو اليمن الكندي النحوي اللغوي الحافظ المحدّث ( ت سنة 597 هـ ): " حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وأكمل القراآت العشر وهو ابن عشر، وكان أعلى أهل الأرض إسناداً في القرآات، قال الشيخ شمس الدين: فإنّي لا أعلم أحداً من الأمّة عاش بعد ما قرأ القرآن ثلاثاً وثمانين سنةً غيرَه، هذا مع أنّه قرأ على أسند شيوخ العصر بالعراق، وقرأ النحو على ابن الشجري وابن الخشّاب وشيخِه أبي محمّد سبط الخيّاط، وأخذ اللغة عن موهوب الجواليقي. وقدم دمشق في شبيبة وسمع بها من المشائخ وبمصره، وسكن دمشق حيث كان يدرس في مسجدها الجامع و يحضر مجلسه فيه جميع المتصدرين من العلماء أمثال أبى الحسن السخاوي و يحيى بن معطي ثم سافر بصحبته إلى مصر أين أكرمه الملك الكامل و أغدق عليه.ونال بها الحشمة الوافرة والتقدّم، وازدحم الطلبةُ عليه"

و كانت له خزانة كتب جليلة في جامع بني أمية، له مشيخة في أربعة أجزاء خرّجها له أبو القاسم ابن عساكر،و له تعليقات على ديوان المتنبي
" ولمّا مات خامس ساعة يوم الاثنين سادس شوّال في التأريخ المقدّم صلىّ عليه العصر بجامع دمشق، ودُفن بتربته بسفح قاسيون، وعقد العزاء له تحت النسر يومين، وانقطع بموته إسناد عظيم."

4 - مملوك الكندي: إياس، هو أبو الجود وأبو الفتح، مولى الشيخ تاج الدين الكندي ( ت 656 هـ) مشرف الجامع الأموي المتكلم في بسطه وحصره. ، حدث عن معتقه وروى عنه الدمياطي.

تلامذته:
تصدّر الإمام ابن معطي للإقراء بالجامع الكبير في دمشق، وكذا في الجامع العتيق و في جامع عمرو بن العاص في القاهرة، كما جلس محاضرا و مقرءا في مجالس الأمراء و الحكام ، وقد أستفاد من علمه و أدبه جمع غفير من الناس ، وسأذكر بعضا من أشهر تلامذته الذين لازموه و أجازهم و منهم:

1- أبو بكر بن عمر بن علي بن سالم الإمام رضي الدين القسنطيني النحوي ( ت سنة 695هـ). قال الصلاح الصفدي : " ولد سنة سبع وستمائة ، ونشأ بالقدس ، وأخذ العربية عن ابن معط وابن الحاجب بالقاهرة ، وتزوج ابنة معط ، وكان من كبار أئمة العربية بالقاهرة . سمع الحديث من ابن عوف الزهري وجماعة . وكان له معرفة تامة بالفقه ومشاركة في الحديث ، صالحا خيرا دينا متواضعا ساكنا ناسكا . سمع من جماعة كثيرة ، وأضر بآخر عمره، أخذ عنه أبو حيان وغيره".

2- إبراهيم بن محمد بن طرخان الحكيم عز الدين أبو إسحاق الأنصاري، الشهير ب:" السويدي الحكيم " ( ت سنة 695 هـ)، وهو من ولد سعد بن معاذ الأوسي رضي الله عنه، " ولد سنة ست مائة بدمشق وسمع من ابن ملاعب وأحمد بن عبد الله السلمي وعلي بن عبد الوهاب ،والحسين بن إبراهيم بن سلمة وزين الأمناء الحافظ ابن عساكر، وقرأ لولده البدر محمد على مكي بن علان والرشيد العراقي واستنسخ له الأجزاء، وقرأ المقامات سنة تسع عشرة على التقي خزعل النحوي وأخبره بها ، وقرأ كتباً في الأدب والنحو على ابن معط وعلى النجيب يعقوب الكندي، وأخذ الطب عن الدخوار وغيره وبرع في الطب وصنف فيه ونظر في علم الطب وله شعر وفضائل وكتب بخطه الكثير وكان مليح الكتابة كتب القانون لابن سينا ثلاث مرات وكان أبوه تاجراً من السويداء بحران"، قال عنه ابن أبي أصيبعة في طبقاته : " وهو أسرع الناس بديهةً في قول الشعر وأحسنهم إنشاداً وكنت أنا وهو في المكتب، وله الباهر في الجواهر. والتذكرة الهادية في الطب، روى عنه ابن الخباز والبرزالي وطائفة، ومات سنة تسعين وست مائة ودفن بتربته إلى جانب الخانقاه الشبلية".

3- إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن يوسف أبو إسحاق الأنصاري الإسكندري الكاتب ( ت 649 هـ ) ،عرف بابن العطار " ولد سنة خمس وتسعين وخمس مائة وتأدب على أبي زكريا يحيى بن معطي النحوي جال فى بلاد الهند واليمن والشام والعراق والروم قال منصور بن سليم فى تاريخ الإسكندرية مات سنة تسع وأربعين وست مائة فيما بلغني بالقاهرة رحمه الله تعالى قال منصور ورأيته بالموصل وبغداد ".

4- تاج الدين الصرخدي ( ت سنة 674 هـ) ، جمال الدين محمود بن عابد بن حسين بن محمد بن علي تاج الدين أبو الثناء التميمي الصرخدي الفقيه الخطيب ،النحوي الشاعر، ترجم له محمد بن شاكر الكتبي في ( فوات الوفيات 4 / 121 ) فقال عنه : " ...ولد بصرخد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، وكان فقيهاً صالحاً، نحوياً بارعاً، شاعراً محسناً ماهراً، متففاً خيراً متواضعاً دمث الأخلاق، كبير القدر وافر الحرمة. وكان سكنه بالمدرسة النورية." مات ليلة الخميس خامس عشرى ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وستمائة .

من مؤلفاته: " تشنيف الاسماع باحكام السماع"

إجازة ابن معطي لتاج الدين الصرخدي:
هذه صورة إجازة إقراء منحها ابن معطي لتلميذه و صديقه تاج الدين الصرخدي:
" { الله الموفق لما يحبه و يرضاه }
استخرت الله تعالى و أذنت لسيدنا الفقيه العالم تاج الدين أبي محمد محمود ابن عابدين بن حسين التميمي الصرخدي، أمده الله و سدده أن يقرأ هذا القسم الملقب بالمشترك من كتاب "المفصّل" لأبي القاسم محمود فخر خوارزم، ثقة مني بعلمه و تنقيبه عن التحقيق و نهج الصواب حسب ما سمعه مني وقت قراءته إياه على، مستسرحا و باحثا عن النكت التصريفية و اللطائف الموزعة فيه، والجوالة في تحري الصواب على ذهنه الثاقب و رأيه الصائب، إن شاء الله تعالى.

وكتب يحيى بن عبد المعطي النحوي الحنفي، بالقاهرة المحروسة، أدام الله أيام ملك مالكها، و ذلك في شهر ربيع الآخر سنة سبع و عشرين و ستمائة ".

مؤلفاته و آثاره:
ذكرت المصادر التي ترجمت لابن معطي عددا كبيرا من مؤلفاته، مما يدل على غزارة علمه ، وقوة فهمه، وجودة طبعه، وفصاحة نظمه ، وعبقريته، و مما وقفت عليه من مؤلفاته وآثاره:

1- الألفية في النحو: و هي منظومة جمعت علم النحو والصرف من بحرين هما السريع و الرجز وقد سماها " بالدرة الالفية" و طبعت باعتناء المستشرق زترتشين زمعها ترجمة هولندية وتعليقات سنة 1317 هـ / 1900م ، تحت عنوان " " الدرة الالفية في علم العربية " أولها:
يقول راجى ربه الغفور *** يحيى بن معط بن عبد النور

كما قام بتحقيقها و شرحها الدكتور علي موسى الشوملي - الرياض : مكتبة الخريجي - الطبعة الأولى 1405هـ - 1985م.

بدأ ابن معطي في تأليفها سنة 593 هـ وأتمها سنة 595 هـ ، وقد نسج على منواله الإمام محمد بن عبد الله بن مالك المتوفى سنة 672 علامة النحو واللغة في تأليفه لمنظومته الألفية الشهيرة في علم النحو " ألفية ابن مالك " قال المقري في (نفح الطيب ج1 ص432) : " تبع فيها ابن معطي قالوا: ونظمه اجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب"
وقد أهتم بها العلماء، و المختصين في اللغة و النحو، فكثرت شروحهم عليها و اختصاراتهم و النظم على شاكلتها ، و من شروحها:

- شرح محمد ابن احمد [بن محمد الاندلسي البكري] الشريشى المتوفى سنة 685 هـ في مجلدين ، سماه " بالتعليقات الوفية".

- شرح شمس الدين احمد بن الحسين ابن الخباز الاربلي المتوفى سنة 673 هـ سماه " الغرة المخفية في شرح الدرة الالفية".

- شرح بدر الدين محمد بن يعقوب الدمشقي المتوفى سنة 718 هـ.

- شرح شهاب الدين احمد بن محمد القدسي الحنبلى المتوفى سنة 728 هـ.

- شرح عبدالمطلب بن المرتضى الجزرى المتوفى سنة 735 هـ. و سماه " ضوء الدرر في شرح الفية ابن معطي في النحو".

- شرح الشيخ زين الدين عمر بن مظفر ابن الوردى المتوفى سنة 749 هـ، وسماه " ضوء الدرة على ألفية ابن معطى"

- شرح الشيخ محمد بن محمود بن أحمد البابرتي الشيخ أكمل الدين الحنفي المتوفي سنة 752 هـ ، ألفه سنة 741 هـ وسماه " بالصدفة الملية بالدرة الالفية"

- شرح الشيخ محمد بن أحمد بن علي بن جابر الاندلسي الهواري، المالكي، الضرير، ويعرف بشمس الدين بن جابر، المتوفى سنة 780 هـ في ثمانى مجلدات.

- يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن ابن مسعود بن علي بن عبد الله الحموي، الشافعي، ويعرف بابن خطيب المنصورية ( ت 809 هـ).


وغيرها من الشروح التي لا تعد و لا تحصى.


2 - كتاب الفصول: وهو كتاب حسن وتعليقات على أبواب الجزولية وأمثله لمسائلها وغير ذلك مسائل متفرقة في أبواب العربية .

3 - شرح المقدمة الجزولية: لشيخه الجزولي في النحو وقد سبق ذكرها في ترجمتهن وهي مقدمة " لا يفهم حقيقتها إلا أفاضل البلغاء وأكثر النحاة يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراد مؤلفها منها فإنها رموز وإشارات " ولما رأى ابن معطى بأنها عسيرة المنال ، غامضة الكلام ، يصعب فهمها، لدقة معانيها وغرابة تعاريفها ، قام بشرحها و تبسيطها، و قد نقل عن هذا الشرح السيوطي في كتابه: الأشباه و النظائر.

4 - البديع في علم البديع: منظومة في البلاغة وصناعة الشعر، وقد اشتمل على واحد و خمسين محسنا بديعا، بدأه بعد حمد الله و الصلاة و التسليم على الرسول صلى الله عليه وسلم ، هكذا:


يقول ابن معطي قلت لا متعاطيا*** مقالة من يرجو الرضى و التعاطيا
بدأت بحمد الله نظمي مسلمــا *** على أحمد الهادي إلى الله داعيا
و بعد فإني ذاكر لمن ارتضـي *** بنظمي العروض المجتلي والقوافيا
أتيت بأبيات البديع شواهـدا *** أضم إليها في نظمي الأساميا


5- شرح الجمل في النحو للزجاجي.
6- نظم كتاب الجمهرة لابن دريد.
7- المثلث في النحو.
8- شرح أبيات سيبويه ـ (نَظْم ).
9- حواشي: على أصول ابن السراج في النحو.
10- ديوان خطب.
11- ديوان شعر.
12- العقود و القوانين في النحو .
13- قصيدة في العروض.
14- أرجوزة في القراءات السبع.
15- نظم كتاب الصحاح للجوهري: توفى قبل إتمامه.
16- الفصول الخمسون: طبع ونشر في القاهرة سنة 1977م، بتحقيق الأستاذ محمود الطناحي.

و غيرها مما لم أقف عليه، و نحن نتأسف لضياع أكثر مؤلفاته، و ما بقي منها فهو حبيس المكتبات، لم ينشر ولم يحقق ما عدا الألفية و الفصول الخمسين و البديع في علم البديع.

وفاته:
توفي رحمه الله بمصر يوم الاثنين سنة 628 هـ ، وقد أخطأ ابن كثير وابن العماد الحنبلي رحمهما الله عندما أرخا لوفاته بسنة 629 هـ و الصحيح ما ذهب إليه أبو شامة المؤرخ - و هو أصدق لأنه شهد جنازته بمصر- فهو يذكر وفاته و جنازته في حوادث سنة 628 هـ: " و فيها أي سنة 628 هـ في مستهل ذي الحجة توفي الزين النحوي يحيى بن معطي الزواوي رحمه الله بالقاهرة، و صلّى عليه بجنب القلعة عند سوق الدوابّ، و حضر الصلاة عليه السلطان الكامل ابن العادل، و دفن بالقرافة في طريق قبة الشافعي رحمه الله على يسار المار إليها على حافة الطريق، محاذيا لقبر ابي إبراهيم المزني رحمه الله، حضرت دفنه و الصلاة عليه، و كان آية في حفظ كلام النحويين ".

المصادر:
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - الناشر المكتبة العصرية - صيدا / لبنان.

- كشف الظنون عن اسامى الكتب والفنون لحاجي خليفة، الطبعة الثالثة طهران ( إيران ) سنة 1378هـ..

- سير أعلام النبلاء الامام الذهبي. تحقيق شعيب الأرناؤوط , محمد نعيم العرقسوسي - نشر مؤسسة الرسالة - الطبعة التاسعة 1413 هـ.

- فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي. تحقيق : إحسان عباس - دار صادر / بيروت ،الطبعة الأولى سنة 1973 م.

- البداية و النهاية لابن كثير تحقيق وتدقيق علي شيري - دار إحياء التراث العربي - الطبعة الاولى 1408 هـ/ 1988 م.

- شذرات الذهب في أخبار من ذهب. لابن عماد الحنبلي، دار المسرية، بيروت، طبعة ثانية سنة 1979م.

- الجواهر المضية في طبقات الحنفية لعبد القادر بن أبي الوفاء ، تحقيق الناشر مير محمد كتب خانه كراتشي/باكستان ( بدون تاريخ ).

- طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان - الطبعة الأولى ، دار النشر: عالم الكتب - بيروت - 1407 هـ.

- الاعلام لخير الدين الزركلي. دار العلم للملايين – بيروت/ لبنان الطبعة الخامسة أيار (مايو) 1980م.

- مقال بعنوان : " قراءة في مخطوطة البديع في علم البديع لابن معطي" للدكتور عبد الرحمن خربوش أستاذ بجامعة تلمسان / الجزائر.


يتبع... في الحلقة الثانية
بعلم آخر من أعلام الجزائر الأفذاذ.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:39 pm




موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثانية

شيخ الأزهر الإمام الجزائري/ فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين.







يحـفـل تـاريخـنـا الإسـلامـي في الـقـديم والحـديـث بـنـمـاذج مشرفة للعلماء الذين ضربوا المثل الأعلى في الفضل والعلم والجهاد ، وكثير من هؤلاء مغمورون ، وقليل من الناس من يعرفهم .
وسـأحـاول في هـذه الـمـقـالـة عرض حياة علم من هؤلاء العلماء الأعلام، وسترى فيه أخي القارئ ، نموذجاً للصبر على العلم والتحصيل والتبليغ والجهاد والمواقف الجريئة . فما أحوجنا لأمثاله من العلماء العاملين الذين هم بحق ورثة الأنبياء .

هـو: محمد الخضر حسين الذي ينتسب إلى أسرة عريقة في العلم والشرف، حيث تعود أسـرتـه إلى البيت العمري في بلدة (طولقة) التي تبعد عن عروس الزيبان ولاية أي محافظة مدينة بسكرة بحوالي 36 كلم وتقع جنوب الجزائر، حيث تنام عروس الزيبان مدينة بسكرة على فراش وثير مطرز ببساتين النخيل (نخيل دقلة نور الشهيرة)، ذلك أن الغطاء النباتي الذي تمثله منطقة الأكثر من مليوني نخلة والتي تمد المدينة بالأكسيجين ومنها إلى السماء يرتفع بخارا فينزل ماء زلالا يغري بمنظره الرائع السواح والزائرين. وقد رحل والد محمد الخضر حسين إلى بلدة(نفطة) من بلاد الجريد بتونس بصحبة صهره (مصطفى بن عزوز) حـيــنـمـا دخل الاستعمار الفرنسي الجزائر، ومما يدل على عراقة أسرته في العلم أن منها جده (مصطفى بن عزوز الجزائري) وأبو جده لأمه (محمد بن عزوز الجزائري)، من أفاضل علماء تونس، وخاله (محمد المكي) من كـبـار الـعـلـماء وكان موضع الإجلال في الخلافة العثمانية .

وسنتتبع حياة عالمنا في مراحل ثلاث


الأولى : في تونس:

حيث ولد الشيخ ببلدة بنفطة عام 1293هـ ، وعلى أرضها درج ونشأ ، وهو - كأي عالم مسلم - تبدأ حياته في أجواء البيت المسلم ، والأسرة المسلمة ، ثم أخذ العلم في بلدة نفطة وكان لا يتعدى مبادئ علوم الدين ووسائلها ، وقد ذكر أن والدته قد لقنته مع إخوانه (الكفراوي) في النحو و (السفطي) في الفقه المالكي ، وفي عام 1306هـ انتقل مع أسرته إلى العاصمة التونسية ، فتعلم بالابتدائي ، وحفظ القرآن مما خوله الانتظام بجامع الزيتونة فجد واجتهد وثابر على مواصلة العلم ، حتى صار مثار إعجاب أساتذته وعارفيه ، حيث درس على أستاذه (سالم أبو حاجب) صحيح البخاري ، وعنه أخذ ميوله الإصلاحية وأخذ التفسير عن أستاذيه (عمر بن الشيخ) و (محمد النجار) ، وفي عام 1316 هـ نال شهادة (التطويع) التي تخول حاملها إلقاء الدروس في جامع الزيتونة تطوعاً وكانت هذه الطريقة درباً للظفر بالمناصب العلمية وميداناً للخبرة والتدريب على مهنة التعليم ، فعظمت مكانته في نفوس زملائه ، وذاع صيته في البلاد حتى صار من قادة الفكر وذوي النفوذ ، وأعجب به طلبة الزيتونة وكانت الحركة الفكرية هناك في حاجة لإبراز نشرة دورية تنطق بلسانها ، ولم يكن يوجد آنذاك بتونس سوى الصحف . فقام بإنشاء مجلته (السعادة العظمى) فنالت إعجاب العلماء والأدباء وساء بعضهم صدورها لما اتسمت به من نزعة الحرية في النقد واحترام التفكير السليم ، ولتأييدها فتح باب الاجتهاد حيث قال الشيخ عنه في مقدمة العدد الأول :
(.. إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق دعوى لا تسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد) .


وكان منهج المجلة كما جاء في المقدمة أيضاً يتمثل في :


1- افتتاحية لكل عدد تحث على المحافظة على مجدنا وتاريخنا .
2- تعرض لعيون المباحث العلمية .
3- ما يكون مرقاة لصناعة الشعر والنثر .
4- الأخلاق كيف تنحرف وبم تستقيم .
5- الأسئلة والمقترحات .
6- الخاتمة ومسائل شتى .

وهكذا صدرت هذه المجلة فملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية وتسابق العلماء والكتاب للمشاركة فيها حتى أغلقها المستعمر الفرنسي حينما تعرض لهجومها عام 1322 هـ أي بعد مضي عام واحد فقط على صدورها ، فاتجهت إلى الشيخ الجمعيات الرسمية وغيرها للاشتراك في أعمالها ، ثم تولى قضاء (بنزرت) عام 1323هـ مع الخطابة والتدريس بجامعها ، وحدثت اشتباكات بين المواطنين والمستعمر ، فتطور الأمر ، وأعلنت الأحكام العرفية وعطلت الصحف ، وسجن أو نفي معظم ذوي الشأن من القادة والمفكرين فأصبحت كل حركة تبدو من الطلاب محمولة عليه . فنظر إليه المسؤولون شذراً ، خصوصاً بعد إضراب الطلاب عن التعليم. وفي هذا الجو المكهرب والمحبوك بالمؤامرات دفع به الضيق إلى طلب حياته الفكرية والعملية في خارج تونس ، خصوصاً وأنه من أنصار (الجامعة الإسلامية) الذين يؤمنون بخدمة الإسلام خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان .

فـقـام بـعـدة سـفـرات متوالية بادئاً ببلد أجداده الجزائر عام 1327هـ لإلقاء المحاضرات والدروس فلقي ترحيباً من علمائها ، وكانت هذه الرحلة بداية جديدة شرع بعدها في إعداد نفسه وأفكاره الإصلاحية . ثم عاد إلى تونس لمزاولة التدريس . واشترك في مناظرة للتدريس من الدرجة الأولى ، فحرم من النجاح فحز ذلك في نفسه لسيطرة روح المحاباة على الحياة العلمية في بلده .

وفي عام 1329هـ وجهت إليه تهمة بث العداء للغرب ، ولاسيما فرنسا ، فيمم وجهه صوب الشرق ، وزار كثيراً من بلدانه ، وزار خاله في الآستانة ولعل هذه الرحلة لاكتشاف أي محل منها يلقي فيه عصا الترحال . ثم عاد لتونس فلم يطب له المقام والمستعمر من ورائه.

المرحلة الثانية : عدم الاستقرار
وصل دمشق عاصمة الأمويين عام 1330هـ مع أسرته ومن ضمنها أخواه العالمان المكي و زين العابدين ، فعين الشيخ (محمد الخضر حسين) مدرساً بالمدرسة السلطانية ، وألقى في جامع بني أمية دروساً قدّره العلماء عليها، وتوثقت بينه وبين علماء الشام الصلة وبخاصة الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي ، ولما كانت آنذاك سكة الحديد الحجازية سالكة إلى المدينة المنورة زار المسجد النبوي الشريف عام 1331هـ وله في هذه الرحلة قصيدة مطلعها :

أحييك والآماق ترسل مدمعاً *** كأني أحدو بالسلام مودعاً


وفي هـذه الفـتـرة شـده الحـنـيـن إلى تـونـس الخـضـراء، فزارها وله في ديوانه ذكريات في الصفحات 26 ، 134 .

وكـان الشـيـخ دائـمـاً ما يـدعـو للإخاء بـين العرب وإخوانهم الأتراك حينما بدأت النعرة القومية تفرقهم. وقد ذهب إلى الآستانة، ولـقـي وزيـر الحربية (أنور باشا) فاختير محرراً للقلم العربي هناك فعرف دخيلة الدولة، فأصيب بخيبة أمل للواقع المؤلم الذي لمسه ورآه رؤيا العين، فنجد روحه الكبيرة تتمزق وهي ترى دولة الخلافة العثمانية تحتضر وقال في قصيدة (بكاء على مجد ضائع) :


أدمـى فـؤادي أن أرى الأقـلام تـرسـف في قـيـود
وأرى ســيــاسـة أمــتــي في قبضة الخصم العـنـيد

وفي عام 1333هـ أرسله (أنور باشا) إلى برلين في مهمة رسمية ، ولعلها للمشاركة في بث الدعاية في صفوف المغاربة والتونسيين داخل الجيش الفرنسي والأسرى في ألمانيا لحملهم على النضال ضد فرنسا ، أو التطوع في الحركات الجهادية . وظل هناك تسعة أشهر أتقن فيها اللغة الألمانية وقام بمهمته أحسن قيام ، وقد نقل لنا من رحلته هذه نماذج طيبة مما يحسن اقتباسه ، لما فيه من الحث على العلم والجد والسمو . نجدها مفرقة في كتبه ففي كتاب (الهداية الإسلامية) ص 155 ، 164 ، 175 ، وفي كتابه (دراسات في الشريعة) ص 135 ، ولما عاد للآستانة وجد خاله قد مات فضاقت به البلد ، وعاد إلى دمشق ، فاعتقله (جمال باشا) عام 1334هـ بتهمة علمه بالحركات السرية المعادية للأتراك ، ومكث في السجن سنة وأربعة أشهر برئت بعدها ساحته ، وأطلق سراحه فعاد للآستانة فأرسل في مهمة أخرى لألمانيا . ثم عاد إلى دمشق ، وتولى التدريس بثلاثة معاهد هي : (المدرسة السلطانية - المدرسة العسكرية - المدرسة العثمانية) ثم نزح عن دمشق التي أحبها حينما أصدر ضده حكم غيابي بالإعدام - لما قام به ضد فرنسا من نشاطات في رحلاته لأوربا - وذلك بعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية، وكان أمله أن يعود إلى تونس، ولكن إرادة الله شاءت أن تكون مصر هي مطافه الأخير ، وبهذا تتم المرحلة الثانية .

المرحلة الثالثة : مصر


وقد وصلها عام 1339هـ فوجد بها صفوة من أصدقائه الذين تعرف عليهم بدمشق ومنهم: (محب الدين الخطيب) ونظراً لمكانته العلمية والأدبية اشتغل بالكتابة والتحرير ، وكان العلامة (أحمد تيمور) من أول من قدر الشيخ في علمه وأدبه . فساعده وتوطدت العلاقة بينهما. ثم كسبته دار الكتب المصرية . مع نشاطه في الدروس والمحاضرات وقدم للأزهر ممتحناً أمام لجنة من العلماء اكتشفت آفاق علمه ، فاعجبت به أيما إعجاب فنال على أثر ذلك (العالمية) فأصبح من كبار الأساتذة في كلية (أصول الدين والتخصص) لاثنتي عشرة سنة ، وفي عام 1344 هـ أصدر كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) رد فيه على الشيخ (علي عبد الرزاق) فيما افتراه على الإسلام من دعوته المشبوهة للفصل بين الدين والدولة ، وفي عام 1345هـ أصدر كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) رداً على طه حسين فيما زعمه في قضية انتحال الشعر الجاهلي وما ضمنه من افتراءات ضد القرآن الكريم . وفي عام 1346هـ شارك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وفي السنة نفـسـهـا أسـس جمعية (الهداية الإسلامية) والتي كانت تهدف للقيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع وأدب رفيع مع السعي للتعارف بين المسلمين ونشر حقائق الإسـلام ومـقـاومـة مـفـتـريات خصومه، وصدر عنها مجلة باسمها هي لسان حالها، وفي عـام 1349هـ صـدرت مـجـلة (نور الإسلام - الأزهر حالياً) وتولى رئاسة تحريرها فترة طويلة من الزمن . وفي عام 1351هـ منح الجنـسـية المصرية ثـم صـار عـضـواً أساسيا بالمجمع اللغوي . ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (لواء الإسلام) مدة من الزمن. وفي عام 1370 تـقـدم بطـلـب عضوية جمعية كبار العلماء فنالها ببحثه (القياس في اللغة) وفي 21/12/1371هـ تـولـى مـشـيـخـة الأزهـر وفـي ذهـنـه رسالة طالما تمنى قيام الأزهر بها، وتحمل هذا العبء بصبر وجد وفي عهده أرسل وعاظ من الأزهر إلى السودان ولاسيما جنوبه، وكان يـصـدر رأي الإسـلام في المواقـف الحاسـمـة، وعمل على اتصال الأزهر بالمجتمع واستمر على هذا المنوال، ولما لـم يـكـن للأزهـر مـا أراد أبـى إلا الاستقالة .

ولابد من ختم هذا المقالة بذكر بعض من المواقف الجريئة التي تدل على شجاعته ، وأنه لا يخشى في قول الحق لومة لائم شأنه شأن غيره من علماء السلف الذين صدعوا بالحق في وجه الطغيان في كل زمان ومكان .
1- حينما كان في تونس لم تمنعه وظيفته من القيام بواجبه في الدعوة والإصلاح بالرغم من أن الاستعمار ينيخ بكلكله على البلاد ، فقد ألقى في نادي (قدماء مدرسة الصادقية) عام1324 هـ محاضرته (الحرية في الإسلام) والتي قال فيها :


(إن الأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها ، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد وننفي عنها لقب الحرية) .

ثم بيّن حقيقتي الشورى والمساواة ، ثم تحدث عن حق الناس في حفظ الأموال والأعراض والدماء والدين وخطاب الأمراء . ثم بيّن الآثار السيئة للاستبداد وهذه المحاضرة من دراساته التي تدل على شجاعته وعلى نزعته المبكرة للحرية المسؤولة وفهمه لمنهج الإسلام فهماً راقياً سليماً .




2 - وفي عام1326 هـ عرضت عليه السلطة المستعمرة الاشتراك في المحكمة المختلطة الـتـي يكون أحد طرفيها أجنبياً . فرفض أن يكون قاضياً أو مستشاراً في ظل الاستعمار . ولخدمة مصالحه وتحت إمرة قانون لا يحكم بما أنزل الله .



3- ولا أزال أذكر ما قصه علينا أستاذ مصري أزهري كان آنذاك طالباً في أصول الدين إبان رئاسة الشيخ للأزهر فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين ، حين دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث ، ولما علم الشيخ بذلك إتصل بهم وأنذرهم إن لم يتراجعوا عن ما قيل فإنه سيلبس كفنه ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله ، فكان له ما أراد .

أواخر حياته

واستمر فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- في أواخر حياته يلقي المحاضرات ويمد المجلات والصحف بمقالاته ودراساته الـقـيمة، بالرغم مما اعتراه من كبر السن والحاجة إلى الراحة وهذا ليس غريباً عمن عرفنا مشوار حياته المليء بالجد والاجتهاد والجهاد .

وكان أمله أن يرى الأمة متحدة ومتضامنة لتكون كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس، وحسبه أنه قدم الكثير مما لانجده عند الكثير من علماء هذا الزمان .

وفاته رحمه الله تعالى

وفي عام 1377 هـ انتقل إلي رحاب الله ، ودفن في مقبرة أصدقائه آل تيمور جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء ، ورحمه رحمة واسعة.



مؤلفاته


كان الشيخ عالما فقيها لغويا أديبا كاتبا من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر وترك للمكتبة العربية زادا ثريا من مؤلفاته، منها:

رسائل الإصلاح
وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.

الخيال في الشعر العربي.

آداب الحرب في الإسلام.

تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي.

ديوان شعر "خواطر الحياة".

بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة الأزهر (نور الإسلام) ولواء الإسلام والهداية الإسلامية.







يتبع... بعلم ثالث من أعلام الجزائر الأفذاذ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:40 pm



موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الثالثة


3 - الإمام العلامة محمد المغيلي التلمساني قاهر اليهود في جنوب الجزائر

هذه ترجمة الداعية المصلح العالم الجزائري الكبير الإمام محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي ، الذي وصل الى مملكة صنفاي بالنيجر ، مرورا ببلاد التكرور ، و كانو بعد ان انتقل من تلمسان الى واحات ادرار وواحة تمنطيط ،و نوات و غيرها من القصور بالصحراء الافريقية الشاسعة مجاهدا في سبيل نشر الدعوة و تنقية الاسلام مما علق به من شوائب البدع و الخزعبلات
كنيته و مولده و نشأته:
[color=green]هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني ، reen]المغيلي : بفتح الميم نسبة إلى قبيلة مغيلة قبيلة من الأمازيغ الأشاوس استوطنت تلمسان ووهران و المغرب الأقصى، وهي فرع من قبيلة صنهاجة الأمازيغية المشهورة في التاريخ وهي كبرى شعوب الأفارقة البيض (انظر وصف إفريقيا 1/36،38)] ولد في مدينة تلمسان سنة 790 هـ / 1425م ، من عائلة راقية النسب ، و مشهورة بالعلم و الدين و الشجاعة في الحروب و هو يعتبر العالم رقم عشرين في سلالة المغيليين التي تبتدأ بإلياس المغيلي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:42 pm


موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الرابعة



الإمام الجليل العالم الفذ عبد
الحميد بن باديس الجزائري




هذه ترجمة العلامة العالم الفذ الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء الجزائريين ورائد النهضة الإصلاحية في الجزائر



ولد عبد الحميد بن باديس بن محمد المصطفى بن الشيخ المكي بن باديس الصنهاجي الأمازيغي القح بمدينة قسنطينة يوم الخامس من ديسمبر 1889 الموافق لمنتصف ربيع الثاني لعام 1308 هـ.
و أمه هي : السيدة زهيرة بنت علي بن جلول من أسرة عبد الجليل الصنهاجي الأمازيغي القح الشهيرة في مدينة قسنطينة، وكان عبد الحميد الابن البكر لوالديه، أما أبوه فكان نائبا منتخبا في عدة مجالس منها : أنه كان نائبا بلديا و نائبا ولائيا (عماليا) ونائبا في المجلس المالي للولاية العامة، والمجلس الجزائري، وقد اشتغل بالإضافة إلى ذلك بالفلاحة والتجارة، وأثرى فيهما، أما ثقافته فقد كانت ثقافة تقليدية دينية، إذ كان يحفظ القرآن كله ويعرف الضروري من علوم الدين... محافظا في مظهره و ملبسه، يحب العلم والعلماء وكان رحماني الطريقة لا قادريا كما زعم البعض .
و من أسلاف عبد الحميد المتأخرين جده لأبيه : الشيخ المكي بن باديس الصنهاجي الأمازيغي القح الذي كان قاضيا مشهورا بمدينة قسنطينة، وقبله النائب الشهير والقاضي أيضا أبو العباس أحمد بن باديس الصنهاجي.
أما من قبلهم من الأسلاف الذين تنتمي إليهم الأسرة الباديسية الصنهاجية فكان منهم العلماء والأمراء و السلاطين، ويكفي أن نشير إلى أنهم ينتمون إلى أمجاد القبيلة الصنهاجية الأمازيغية العظيمة، التي أنجبت المعز بن باديس، مؤسس الدولة الصنهاجية التي خلفت الفاطميين على مملكة القيروان، بعدما انتقلوا إلى مصر، وجعلوا عاصمتهم (القاهرة المعزية) نسبة إلى المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الذي دخل مصر بالجيوش الأمازيغية الجزائرية من قبيلة كتامة الشهيرة و أطلق عليها إسم القاهرة وبنوا فيها جامعة الأزهر الشريف بقيادة جوهر الصقلي وبأيادي وحماية الكتاميين الأمازيغيين الجزائريين .


ومن رجالات هذه الأسرة الصنهاجية الأمازيغية المشهورين، الذين كان الشيخ عبد الحميد يفتخر بهم: المعز لدين الله بن باديس، الذي قاوم البدعة ودحرها، ونصر السنة وأظهرها، فأزال مذهب الشيعة الباطنية، وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة، وبالتالي انفصل عن الدولة الفاطمية بمصر، وكان ذلك في حدود سنة 404هـ، وقد توفي المعز لدين الله بن باديس في حدود سنة 454هـ.
من هذه الأسرة العريقة انحدر عبد الحميد بن باديس، وفي هذا البيت الكريم نشأ وترعرع معززا مكرما، لا ينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا، و كان أبوه يحبه حبا جما و يعطف عليه و يتوسم النباهة وهو الذي سهر على تربيته وتوجيهه التوجيه الذي يتلاءم مع فطرته ومع تطلعات العائلة، كما كان الابن من جهته يجل آباه ويقدره و يبره ويحب عشيرته ووطنه حبا جما كباقي الجزائريين.


شهرة أسرته


عائلة عبد الحميد بن باديس عائلة مشهورة فيالجزائر والمغرب العربي الإسلامي منذ قرون عديدة. فقد لعبت دورا كبيرا في تاريخ المغرب الإسلامي سياسيا، وعلميا، ودينيا منذ القرن الرابع الهجري. وتولى أفراد منها السلطة فيه بعد انتقال مقر الخلافة الفاطمية من القيروان عاصمة إفريقيا والمغرب الأوسط ( الجزائر حاليا )إلى مصر في القرن الرابع الهجري.


فقد اسند الخليفة الفاطمي "المعز لدين الله" السلطة على إفريقيا والمغرب الأوسط (الجزائر) إلى الجد الأول لأسرة ابن باديس وهو الأمير "بلكين بن زيري بن مناد المكنى بأبي الفتوح والملقب سيف العزيز بالله وهو من قبيلة صنهاجة الأمازيغية "البربرية" المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي حيث تولى الإمارة عام 362 هـ.
ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان يحلو للشيخ عبد الحميد بن باديس أن يفتخر بهم كثيرا "المعز لدين الله بن باديس" الذي تولى الإمارة على إفريقيا والمغرب الأوسط (الجزائر) بعد وفاة والده "باديس بن منصور" في الفترة بين أعوام 406 453 هـ، وقد كان مقر حكمه في بداية الأمر في القيروان ثم تحول إلى مدينة المهدية بتونس الشقيقة ابتداءًا من عام 446 هـ. والذي عمل قبل نهاية حكمه على انفصال المغرب الإسلامي سياسيا ومذهبيا عن الخلافة الفاطمية بمصر، وحارب الشيعة الرافضة في إفريقيا والمغرب الأوسط (الجزائر) وقتل دعاتهم في سائر بلاد إفريقيا كما يقول ابن خلدون، وأخذ يحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي السني، ونبذ المذهب الشيعي الرافضي وقد نفذ هذا الانفصال بالفعل في حدود عام 433 هجرية على الأرجح وأصبح يدعو على منابر إفريقيا إلى الخلفية العباسي في بغداد "القائم بأمر الله" بدل الدعوة إلى الخليفة الفاطمي بالقاهرة كما كان العمل جاريا عليه في السابق.
والمعروف أن الدولة الصنهاجية الأمازيغية "البربرية" قد حكمت المغرب الإسلامي ما يقرب من 180 عاما (من 362 إلى 543 هـ).
وقد اشتهرت عدة شخصيات من أسرة ابن باديس في العصر الحاضر في ميادين السياسة والعلم.
ففضلا عن والده الذي كان يتولى عدة مناصب سياسية عليا (عضوا بالمجلس الجزائر الأعلى، والمجلس العمالي بقسنطينة) كان عمه "حميدة بن باديس" نائبا عماليا عن مدينة قسنطينة لفترة من حياته في أواخر القرن التاسع عشر واشترك مع ثلاثة من زملائه النواب في عام 1891 في كتابة عريضة بأنواع المظالم والاضطهادات التي أصبح يعانيها الشعب الجزائري في أواخر القرن التاسع عشر الميلاد من الإدارة الاستعمارية والمستوطنين الأوروبيين الذي استحوذوا على الأراضي الخصبة من الجزائريين وتركوهم للفقر والجوع وقاموا بتقديمها إلى أحد أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي الذي حضر إلى الجزائر من أجل البحث وتقصي الأحوال فيها كي يقدمها بدوره إلى الحكومة الفرنسية وأعضاء البرلمان الفرنسي في باريس وذلك بتاريخ 10 أفريل سنة 1891 أي بعد ولادة عبد الحميد بن باديس بحوالي ثلاثة سنوات فقط.



حياة التعلم

بدأ حياة التعلم في الكتاب القرآني ككل الأطفال بالطريقة المألوفة المعروفة عند الجزائريين خاصة والمغاربة عامة، على الشيخ محمد المداسي حتى حفظ القرآن عليه، وسنه ثلاثة عشرة سنة. ولشدة إعجابه بجودة حفظه، وحسن سلوكه، قدمه ليصلي بالناس التراويح في رمضان بالجامع الكبير سنتين أو ثلاثا، وتلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي عبد المؤمن على مشايخ أي شيوخ أجلاء من أشهرهم العالم الجليل الشيخ حمدان الونيسي الجزائري ابتداء من عام 1903 الذي حبب إليه العلم، ووجهه الوجهة المثلى فيه، وهو من أشهر تلاميذ العلامة الشيخ عبد القادر المجاوي الجزائري، شيخ الشيوخ في مدينة العلم والعلماء قسنطينة، ثم في العاصمة الجزائرية الذي ترك أثرا طيبا في المتخرجين على يده .

و لما بلغ عمره الخامسة عشرة زوجه أبوه بإحدى قريباته التي انجب منها ولدا سماه إسماعيل، عاش حتى حفظ القرآن و قبل أن يوجهه أبوه لطلب العلم، توفي في حادث مفاجئ في 15 من رمضان عام 1337هـ الموافق لـ14 جوان 1914م .

و في سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ الونيسي على الهجرة إلى المشرق العربي حين ذاق ذرعا بالحياة تحت وطأة الحكم الفرنسي الطاغي، و لشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر السفر معه أو اللحاق به مهاجرا في طلب العلم، غير أن آباه لم يوافقه على ذلك ووجهه إلى طلب العلم في تونس الجارة الشقيقة.


رحلته إلى تونس الشقيقة

و
نظرا لما كان يبدو عليه من فطنة و نباهة و ميل إلى الجد في فترة التعلم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرس أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة العريق ليكمل تعليمه و يوسع معارفه، فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه (الونيسي) إلى المشرق تاركا الزوجة والولد في كفالة والديه، وسنه إذ ذاك تسعة عشرة عاما. وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع (كما كانت تدعى حين ذاك) عام1911 وقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة، و كان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع الزيتونة المعمور، و بقي بعد التخرج سنة أخرى يدرس و يدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد.

وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء، وأخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية، من أمثال الشيوخ : محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة، ومحمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام بلا منازع، والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني التونسي، والعلامة الخضر بن الحسين الجزائري التونسي، والمفتي محمد بلحسين النجار، والشيخ البشير صفر، وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية عبد الحميد ابن باديس، كما ذكر ذلك في مناسبات عديدة.

فقد تأثر كثيرا ببعض المشايخ الذين وجد في آرائهم وأفكارهم وأساليب تعليمهم ما يلائم طبعه وتطلعه، و ميله إلى الاجتهاد و استعمال العقل ،مثل الشيخ محمد النخلي الذي كان دائما يذكره ويثني على منهجه في التدريس، كما تأثر ببعض الأفكار الإصلاحية التي بدأت تروج في تونس بعد زيارة الشيخ الجليل محمد عبده لها.

و في أثناء هذه الفترة جرت أحداث جسام في العالم مثل : سقوط الخليفة العثماني (السلطان عبد الحميد)، وهجوم إيطاليا الصليبية على الجارة الشقيقة ليبيا بهدف احتلالها، واستيلاء فرنسا على الجار الشقيق المغرب الأقصى بمقتضى إمضاء وثيقة الجناية عام 1912، والمظاهرات التي جرت في تونس والتي نتجت عنها مواجهات دامية بين المواطنين التونسيين و الفرنسيين بسبب قمع السلطات الفرنسية لهذه المظاهرات ...كل هذه الأحداث كان لها تأثير قوي في نفسية عبد الحميد بن باديس، و لكنها لم تثن عزمه عما كان يفكر فيه، وهو البحث عن الطرق والوسائل التي تخلص بلاده مما تعانيه من استبداد و اضطهاد وحرمان، بل زاده ذلك مضاء وعزما وإمعانا في البحث عن الأساليب التي تمكنه من خدمة بلاده وبعث اليقظة والوعي في نفوس أبنائها ورأى أن أساس ذلك كله هو تربية الشعب وتعليم الأجيال

.
عودته من تونس الشقيقة



عاد الشاب عبد الحميد بن باديس إلى بلاده الحبيبة الجزائر – بعد أن أكمل تعلمه في تونس الشقيقة والذي استمر أربع سنوات كما مر بنا – عاد يحمل شهادة التطويع (العالمية) واستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان، كان مغتبطا أشد الاغتباط بنجاحه وبعودته، ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته، ويزيدهما مجدا وشرفا ،فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصداؤها في أرجاء البيت الفسيح، وقد أثر هذا الاستقبال في عبد الحميد بن باديس أيما تأثير، فقد ظل يذكره بكثير من الاعتزاز... فقد حدث طلابه ذات يوم (في أواسط الثلاثينات) عن قيمة العلم والعلماء في نفوس شعبنا الجزائري الأبي، وذكر لهم أن الشعب عندنا يقدر العلماء تقديرا كبيرا، لا فرق بين عامة الناس وخاصتهم، ثم قال : يجب أن تعرفوا هذا وتؤمنوا به وتقدروه قدره، فأنتم اليوم طلاب علم، وغدا ستصبحون علماء، ينظر إليكم الشعب نظرة إكبار وتقدير، وينتظر منكم أن تكونوا قدوته في الخير، فإياكم أن تخيبوا أمله... واستشهد على ذلك بشواهد منها تقدير أبيه له، وفرحة أمه والزغرودة التي عبرت بها عن هذه الفرحة والتي كانت تعبيرا صادقا عن فرحة العائلة، " إن تلك الزغرودة التي قابلتني بها أمي يوم عدت من تونس ما تزال ترن في أذني، ولن أنساها ما حييت ! "
... إنها صورة مصغرة من تفكير الشعب كله، فاحفظوا هذا وحافظوا عليه، هذه هي وصيتي إليكم.


رحلته إلى الحجاز و بعض العواصم العربية

سافر الإمام الجليل عبد الحميد بن باديس عام 1913 في رحلة طويلة امتدت إلى الحجاز و منه إلى الشام ومصر، لأداء فريضة الحج وزيارة بعض العواصم للاتصال بعلمائها والاطلاع على ما يجري بها ،معتبرا هذه الرحلة تتمة للدراسة.

وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها، وفي أثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في مدينة قسنطينة (فضيلة الشيخ حمدان الونيسي الجزائري) الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه مثل : الشيخ الجليل حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، والشيخ الجليل الوزير التونسي، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه.

وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء بالمدينة المنورة إلى جوار أستاذه (فضيلة الشيخ الجليل الونيسي) فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها، لما يعرف من أوضاع بلده. لكن فضيلة الشيخ حسين أحمد الهندي لم يوافقه على ذلك، بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، بما توسم فيه من حزم وعزم وصلاح، قائلا له :إرجع إلى وطنك يا بني فهو بحاجة إليك وإلى أمثالك، فالعلماء هنا كثيرون، يغنون عنك، ولكنهم في وطنك وفي مستوى وطنيتك وعلمك قليلون بسبب الهمجية الفرنسية التي تحارب الدين واللغة وخدمة الإسلام في بلادك أجدر لك وأنفع لها من بقائك هنا. فاقتنع الشاب عبد الحميد بن باديس بوجهة نظر هذا الشيخ الجليل، وقبل نصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن، عند ذاك حذره أستاذه (فضيلة الشيخ الونيسي) من أن يكون عبدا للوظيفة، لأنه تأكد أن الحكومة ستعرض عليه الوظائف، قال له ناصحا (أحذر أن تقبل الوظيفة الحكومية، فهي قيد لك، يحدّ من نشاطك... وأخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة، ولا الوظيفة، ولا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية.) فعاهده تلميذه على ذلك، ووفى بهذا العهد .

و قد حرص فضيلة الإمام عبد الحميد بن باديس في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده، ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده تلميذ العالم الجليل والمصلح الكبير جمال الدين الأفغاني و تلميذهما رشيد رضا، متأثرين جميعهم بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز، وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب، هو الشيخ العالم الجليل محمد البشير الإبراهيمي المقيم مع والديه في المدينة المنورة، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شأن الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر، واتفقا على خدمة بلادهما متى عادا إليها .

" وقد ذكر الشيخ الجليل الإمام الكبير محمد البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا مدة إقامة الإمام عبد الحميد بن باديس بالحجاز، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر، و يحددان شروط و وسائل نهضتها ".

ولم يكن أيّ منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الوطن ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة المنورة رفيق دربه في الكفاح و النضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينات، وخاصة بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي اشتركا في تكوينها، والسير في الطريق الذي رسماه لها.


الرجوع من الحج




وفي طريق عودته من الحجاز عرّج على الشام (دمشق وبيروت) وعلى مصر (الاسكندرية والقاهرة) وتذاكر مع من اتصل بهم من العلماء والمفكرين, في شؤون الإسلام والمسلمين.

هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي, ليعرف ما فيه, زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس, ولقي في الاسكندرية كبير علمائها الشيخ الجليل أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر, فتعارفا وتذاكرا وأجازه, وفي القاهرة لقي مفتي الديار المصرية, الشيخ الجليل محمد بخيث المطيعي, رفيق الشيخ الجليل محمد عبده, والمدافع عن فكرته بعد وفاته, وكان الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس يحمل للشيخ رسالة من أستاذه فضيلة الشيخ الجليل الونيسي فأحسن استقباله, ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة.

التجول في القطر الجزائري





لم يكن يكتفي بالدروس التي كان يقدمها أو يشرف عليها، بل كان يقوم في العطلة الصيفية، وفي أيام الراحة الأسبوعية بجولات استطلاعية في القطر الجزائري يتعرف فيها على أحوال البلاد والعباد، ويلقى الدروس في المساجد و الزوايا الجزائرية، وحيثما تيسر له، ويعلن عن نشاطه التربوي، وعن الدروس العلمية التي يتلقاها الطلبة في مدينة قسنطينة حتى يبين الفائدة المرجوة منها لمن يشاء الالتحاق بها، ويطلب من شيوخ الزوايا الذين يحضرون دروسه ومحاضراته أن يرسلوا أبناءهم وطلابهم للتعلم عليه في مدينة قسنطينة، هكذا وبهذا الأسلوب الإعلامي تنامى عدد طلابه من مختلف جهات الوطن الجزائري الحبيب، وخاصة عمالة قسنطينة، وأصبحوا يفدون على الجامع الأخضر، وعلى دروس الشيخ الجليل الإمام عبد الحميد بن باديس في مختلف المواد.

وقسم الطلاب إلى أربع طبقات حسب مستوياتهم، والذين ينهون دراستهم عنده يوجه القادرين منهم لإتمام دراستهم في تونس بجامع الزيتونة، واستمر عمله هذا بهدوء وصبر وحكمة طوال فترة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، ظل يعلم ويربي الصغار والكبار، يعظ ويرشد العامة والخاصة، ويوقظ الهمم وينشر الوعي، ويدعوه إلى الصالح العام، مخطط رسمه في ذهنه وطبقه في الواقع، وكان من طلائع طلابه النبغاء : مبارك الميلي والسعيد الزاهري، والهادي السنوسي، و محمد بن العابد والسعيد الزموشي، وابن عتيق، والفضيل الورتلاني، وآخرون كثيرون منهم من اكتفى بما تعلمه عليه، ومنهم من واصل دراسته في الزيتونة حتى شهادة التطويع.


مباشرته للتدريس:

عاد إلى قسنطينة ورابط بمسجد سيدي قموش يقضي بياض يومه في تعليم الشبان مبادئ العلوم والإسلام الصحيح، ويوجههم التوجيه الحسن. وعند إقبال الليل يلتفت إلى الكهول والشيوخ الملتفين حوله بالجامع الأخضر يدعوهم إلى الله على بصيرة ويذكرهم بأيام الله. فكانت مجالس دروسه كثيرة الزحام، تخرجت عليه طبقة من العلماء والأدباء امتازوا بعمق التفكير وصدق التعبير فكانوا بحق رواد النهضة الجزائرية في العلم والأدب والوطنية.

اشتغاله بالصحافة:

كان من مؤسسي جريدة النجاح، ثم تخلى عنها، وأسس سنة 1925 جريدة المنتقِد، وتولى رئاسة تحريرها وأسند إدارتها للشهيد أحمد بوشمال، وكان من كتابها الشيخ مبارك الميلي، والشيخ الطيب العقبي، رحمهما الله، وقد نشرت في عددها السادس مقالاً للميلي تحت عنوان «العقل الجزائري في خطر»، كما نشرت في عددها الثامن قصيدة للعقبي تحت عنوان «إلى الدين الخالص» ومثل هذه القصيدة وذلك المقال يعد جراءة كبرى في ذلك العهد لتناولهما العادات المألوفة بالنقد والتجريح. وسارت على خطتها حتى عُطلت بقرار بعدما برز منها ثمانية عشر عدداً؛ فأصدر بعد ذلك جريدة الشهاب على خطة المنتقد ومباديه، فلاقت في سبيل ذلك ما لاقت من العناء والصعوبات قلم تلن قناتها لغامز، وتحالفت قوى الرجعية وكل هامز لامز على عبد الحميد حتى أصبح مهدداً في حياته.

عبد الحميد ونادي الترقي:

في سنة 1927 أسس السادةُ الحاج مماد المنصالي ، محمود بن ونيش ، عمر الموهوب ، أحمد توفيق المدني ، وبعض الإخوان نادي الترقي ، فكان النادي ملتقى النخبة المفكرة سواء من كان منهم مقيماً بالعاصمة أو من كان وافداً عليها من الخارج. وكانت تلقى فيه المحاضرات والمسامرات ، وتقام فيه الحفلات ، فكان عبد الحميد كلما جاء إلى الجزائر يحاضر فيه أو يسامر أو يجمتع فيه بالشباب الناهض المتوثب من طلبة العلم والمفكرين ، فكان النادي بذرة صالحة للنهضة الجزائرية.
ولقد تكونت لجنة تحضيرية فيه انبثقت عنها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، وكان كاتب اللجنة الشيخ أحمد توفيق المدني ورئيسها السيد عمر إسماعيل رحمه الله.

عبد الحميد رئيس جمعية العلماء:



تأسست جمعية العلماء بعد الاحتفال بمضي قرن على احتلال الجزائر فكان ذلك رداً عملياً على المحتفلين الذين كانت أصواتهم تردد الجزائر فرنسية وكان شعار العلماء المصلحين "الإسلام ديننا ، العربية لغتنا ، الجزائر وطننا" ، وقد ظهر هذا الشعار أول ما ظهر مكتوباً على كتاب الجزائر للشيخ أحمد توفيق ، ثم تناولته الألسنة والأقلام ولقن للتلامذة في المدارس وذلك سنة 1931، وفي 5 ماي [أيار] من هذه السنة اجتمع علماء القطرالجزائري بنادي الترقي فأسسوا جمعية العلماء وأسندوا رئاستها إلى عبد الحميد بن باديس بإجماع ، وكان غائباً حيث لم يحضر معهم في اليوم الأول ولا في اليوم الثاني ، وفي اليوم الثالث جاء إلى الاجتماع وألقى كلمة جاء فيها:
"إخواني ، إنني قد تخلفت عن جمعكم العظيم اليوم الأول والثاني فحرمت خيراً كثيراً، وتحملت إثماً كبيراً، ولعلكم تعذرونني لما لحقت في اليوم الثالث، وأذكر لحضراتكم ما تعلمونه من قصة أبي خيثمة الأنصاري لما تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ثم لحقه فقال الناس هذا راكب يرفعه الإل ويضعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كن أبا خيثمة ، فقالوا: هو أبو خيثمة ، فاعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل عذره ودعا له بخير . ومثلكم من كان له في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة." هكذا كان يستلهم أقواله وأفعاله من السنة النبوية.
وألقى خطاباً آخر في ذلك الاجتماع عندما باشر مهام الرئاسة ، هذا نصه:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. إخواني، إنني ما كنت أعد نفسي أهلاً للرئاسة لو كنتُ حاضراً يوم الاجتماع الأول ، فكيف تخطر لي بالبال وأنا غائب ؟ لكنكم بتواضعكم وسلامة صدوركم وسمو أنظاركم جئتم بخلاف اعتقادي في الأمرين فانتخبتموني للرئاسة.
إخواني ، كنت أعد نفسي ملكاً للجزائر أما اليوم فقد زدتم في عنقي ملكية أخرى ، فاللهَ أسأل أن يقدرني على القيام بالحق الواجب.
إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا: الأول إنني قَصَرْتُ وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا إلى تكريم التعليم اظهاراً لمقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده ، الثاني: أن هذا العبد له فكرة معروفة ، وهو لن يحيد عنها ولكنها يبلغها بالتي هي أحسن ، فمن قبلها فهو أخ في الله ، ومن ردها فهو أخ في الله، فالأخوّة في الله فوق ما يقبل وما يرد ، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل ، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام."
هذا مبدأ عبد الحميد في الحياة. فالرجل قرآني ورباني استمد هذا من قول الله تعالى : (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلتم بالتي هي أحسن). وهذه الطريقة كان يسلكها مع جميع الناس سواء أكانوا من تلامذته ومريديه ، أم من خصوم فكرته ومناوئيه، ورغم هذا فلم تمضِ سنة على تأسيس جمعية العلماء حتى دخلت في معارك حامية مع أذناب الاستعمار ومع أصحاب البدع والخرافات، وأخذت تؤسس المدارس الابتدائية لتعليم الدين واللغة، وترسل وفود الوعاظ يجولون المدن والقرى، وكان عبد الحميد أسس بقسنطينة مدرسة التربية والتعليم وجعل لها فروعاً في القطاع القسنطيني وكاد التعليم يعم المداشر والقرى ، فأوجست الحكومة الفرنسية خيفة في نفسها فعطلت غالبية المدارس، وزجت ببعض المعلمين في السجون وحاكمتهم محاكمة المجرمين، فكان عبد الحميد يشجع أبناءه المعلمين على المقاومة ويثير حماس الجماهير، ويحتج على هذه المعاملة.

طريقته في الاحتجاج على الحكومة:

له في الاحتجاج طريقتان: الأولى باسمه رئيس جمعية العلماء وهي الاحتجاجات التي لا تخرج عن دائرة القانون ، الثانية باسمه الخاص وهي الاحتجاجات اللاذعة التي يصف فيها الاستعمار بكل نقيصة، ويفضح فيها مكائده ويكشف مخازيه. وسألناه مرة لماذا هذه التفرقة في الاحتجاجات؟ فقال: الاحتجاجات التي أمضيها باسم جمعية العلماء أحافظ فيها على الجمعية، والاحتجاجات التي أمضيها باسمي لا أحافظ فيها على شخصي. ولمح إلى هذا في خطاب ألقاه في 27سبتامبر [أيلول] 1936 إثر اجتماع الجمعية العامة حيث قال:
"إن هذا العبد الضعيف يقدم بلسان العجز الشكر لأعضاء الإدارة إخوانه أن قدموه للرئاسة وجددوا له ثقتهم به هذا مع علمه بعبء الرئاسة الثقيل وما يلزم لها من التضحية التي هي أول شروط الرئاسة. ولقد قال الهذلي:
فإن رئاسة الأقوام فاعلم * لها صعداء مطلعها طويل
وإن هذا العبد الضعيف لثقته في الله وقوته بالله واعتزازه بقومه واعتماده بعد الله على إخوانه لمستعد لهذه الصعداء وإن طال مطلعها وطال." ثم قال: "إن ميدان العمل في هذه الجمعية لميدان واسع وهنالك للعمل ميادين أخرى لا أدخلها باسمها. ولكن (إن كان فيها منفعة) أدخلها باسمي إن كان عند قومي قيمة لاسمي، وأرجو أن يعينني الله عليها. أيها الإخوان! إن على كل رئيس حقاً وقد قال الأحنف بن قيس:
إن على كل رئيس حقاً * أن يخضب الصعداء أو تندقا
والصعداء هي الرمح يريد أنها تخضب بالدماء أو تنكسر وتندق في يده أثناء محاربته الأعداء. ولكن صعدتنا نحن التي نخضبها هي القلم (وخضايه الحبر) ولكنه لا يندق هذاالقلم حتى تندق أمامه جبال من الباطل.
وإن من الحق أن نتأدب بالأدب النبوي ومنه أن لا نتمنى لقاء العدو فإذا لقيناهم فلنصبر والله معنا.

عبد الحميد بن باديس والمؤتمر الإسلامي:

تهاتف كثير من رجال السياسة على الاندماج ورأوا أنه الطريقة الوحيدة التي تصل بها الجزائر إلى حقوقها المسلوبة ، ومن بين هؤلاء نواب يرون أن لا حق لأحد أن يتكلم في السياسة الجزائرية سواهم وان لهم البت في مصير الأمة، والأمة غائبة عن الميدان، فنشر عبد الحميد أراء له في السياسة الجزائرية في جريدة (لادفانس) "الدفاع" التي كان يصدرها الأستاذ العمودي رحمه الله باللسان الفرنسي وذلك في عدد 2جانفي [كانون الثاني] 1936، وكان من تلك الآراء عقد مؤتمر إسلامي جزائري لأن المرجع في مسائل الأمة هو الأمة، والواسطة لذلك هي المؤتمرات ، فبقيت الفكرة تتردد في النوادي حتى فازت الجبهة الشعبية بفرنسا في تلك الانتخابات فتأسس المؤتمر الإسلامي الجزائري يوم 7 جوان [حزيران] سنة 1936 وكان غالبية من به من دعاة الاندماج وأنصار مشروع بلوم فيوليت.وقرر العلماء أن يشارك فيه الشيوخ عبد الحميد بن باديس، الطيب العقبي، البشير الإبراهيمي، محمد خير الدين وغيرهم من العلماء باسمهم الخاص، وقد كان لمشاركة العلماء أثر فعال في تعطيل الاندماج وإبراز الذاتية الإسلامية العربية الجزائرية، حيث جاء في مطالب المؤتمر ما يلي:
- المحافظة على الحالة الشخصية الإسلامية مع إصلاح هيئة المحاكم الشرعية بصفة حقيقية ومطابقة لروح القانون الإسلامي.
- فصل الدولة عن الدولة بصفة تامة وتنفيذ هذا القانون حسب مفهومه ومنطوقه.
- إرجاع سائر المعاهد الدينية إلى الجماعة الإسلامية تتصرف فيها بواسطة جمعيات دينية مؤسسة تأسيساً صحيحاً.
- إلغاء كل ما اتخذ ضد اللغة العربية من وسائل استثنائية وإلغاء اعتبارها لغة أجنبية.
حينئذ علم دعاة الاندماج أنهم أخِذوا على غرة، وأن هذه المطالب التي قدمها العلماء وأيدها الشعب قد أفسدت عليهم تدبيرهم. وقالوا: العلماء يجهلون السياسة فما معنى مشاركتهم فيها؟ إنهم لرجعيون وو.. فأجابهم الأستاذ الإبراهيمي حفظه الله إذا ذاك على صفحات الشهاب، وكان مما قاله لهم:
"فويحكم.. إن العلماء الذين تعنون من الأمة في الواقع والحقيقة في حال أنكم لا تعدون منها إلا على الزعم والدعوى، وأن العلماء يمثلون الوصف الذي ما كانت الأمة أمة إلا به وهو الإسلام ولسانه. وأن مطالب الأمة التي رفعت صوتها بها في المؤتمر ترجع إلى أصول أربعة: الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، وأن لكل مطلب من هذه المطالب فروعاً متشابكة وأن كل أصل من هذه الأصول يحتاج إلى بحوث ودراسات تفتقر إلى كفايات واختصاصات، وإذا كان في نواب الأمة ومفكريها من فيه الكفاءة والمؤهلات لدراسة المطالب السياسية ووصل مقدماتها بنتائجها وإعطاء رأي ناضج فيها، أو كان في فلاحينا وتجارنا من نعتمد عليه وعلى رأيه في المطالب الاقتصادية مثلا، فمن للمطالب الدينية وما يتبعها من اللغة العربية غير العلماء؟"

وفد المؤتمر إلى باريس:



شكل المؤتمر وفداً إلى فرنسا لتقديم المطالب إلى الحكومة الفرنسية، وكان عبد الحميد من أعضاء الوفد. ذهب الوفد يوم 18 جوليت (تموز) 1936 وشرح القضية في النوادي السياسية واتصل بالوزراء ورؤساء الأحزاب، وصارحه م. دالادي وزير الحربية إذ ذاك أنه لا يمكنه أن يوافق على إعطاء المسلمين الجزائريين النيابة في البرلمان مع محافظتهم على الشريعة الإسلامية في الحقوق الشخصية، وقال لهم إن فرنسا معها مدافع، فقال له عبد الحميد: والجزائر معها الله. فقفل الوفد إلى الجزائر وهو بين اليأس والرجاء، بل هو إلى اليأس أقرب. وكتب عبد الحميد مقالاً في الشهاب وصف فيه تلك المقابلات ختمه بقول الشاعر:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب هذا السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن شفرة السيف مزجل
- الحرية الكاملة في تعلم اللغة العربية. وبهذا أخفق المؤتمر الإسلامي، ومرجع إخفاقه إلى مشاركة العلماء فيه، فلجنة قسنطينة طلبت من عبد الحميد أن يضع لها من المطالب ما لا ينافي الإسلام فوضع مطالب منها: "المساواة في الحقوق السياسية مع المحافظة على جميع الذاتية، وهذا الذي أقره المؤتمر بإجماع، وبه سقطت جميع المشاريع "الأبروجيات" كما قال عبد الحميد رحمه الله.


شبح الحرب الأخيرة، وأثره في نفس عبد الحميد:

في سنة 1937 تكاثفت السحب في سماء السياسة العالمية فظن الناسُ أنهم من الحرب قاب قوسين أو أدنى، فبعثت جمعية الميعاد الخيري (هيئة متكونة من الأغوات والقياد) وبعثت جماعة اتحاد الزوايا وغيرها من الهيئات برقية ولاء وتأييد للحكومة الفرنسية، وشذت جمعية العلماء عن ذلك فكبر ذاك على الإفرنسيين، فأوعزوا إلى من يعد العلماء ويمنيهم ويرغب منهم إرسال برقية ولاء ليُظهر المسلمون الجزائريون مظهر اتحاد ووفاق في موالاة فرنسا، وخاطبوا في ذلك الشيخ الطيب العقبي رحمه الله فعرض القضية على الشيخ عبد الحميد فقال سينعقد الاجتماع العام للجمعية في هذه الأيام، وطبعاً يتقدم ذلك اجتماع المجلس الإدراي، وسأضع هذا الاقتراح في اجتماعه ليقول الأعضاء الإداريون كلمتهم.
وفي الاجتماع الإداري طرح عبد الحميد القضية بهدوء وطلب من الأعضاء إبداء آرائهم فكانت غالبية الآراء ضد كتابة البرقية واستصوب العقبي إرسالها وقال الحرب على الأبواب وإرسال البرقية يخفف من حدة الفرنسيين فتسلم مدارسنا ونوادينا ومشاريعنا الخيرية، ونبقى على اتصال بأمتنا ولو في زمن الحرب، وأخذ يدافع عن نظريته، فعارضه كثير من الأعضاء، وعبد الحميد معتصم بالسكوت. ولما طالت المناقشة طلب عبد الحميد من الأعضاء التصويت برفع الأيدي، فكانت النتيجة أربعة أصوات منهم العقبي يقولون بإرسالها، واثني عشر يقولون بعدم إرسالها، واحتفظ عبد الحميد بصوته، ولما انتهت المناقشة حمد الله وأثنى عليه، وكان مما قاله:
"لو كانت أغلبيتكم تؤيد إرسال البرقية ما كنتم ترونني في مجلسكم هذا بعد اليوم." وانتقلت القضية من الاجتماع الإداري الخاص بالأعضاء الإداريين إلى الاجتماع العام الذي تحضره الجماهير، فقال عبد الحميد على رؤوس الملأ: "أقول صراحة –واجتماعنا هذا لا يخلو من جواسيس رسميين أو غير رسميين- إني لن أمضي البرقية ولن أرسلها ولو قطعوا رأسي، وماذا تستطيع فرنسا أن تعمل؟ إن لنا حياتين حياة مادية وحياة أدبية روحية، فتستطيع القضاء على حياتنا المادية بقتلنا ونفينا وسجننا وتشريدنا، ولن تستطيع القضاء على عقيدتنا وسمعتنا وشرفنا فتحشرنا في زمرة المتملقين، إننا قررنا السكوت."
نتج عن هذه الحادثة استعفاء الشيخ الطيب العقبي من العضوية الإدارية لجمعية العلماء. وقال المسؤولون الفرنسيون ما معنى السكوت؟ السكوت دعوة صارخة إلى عدم التأييد، وقال الخصوم: هل أصبح العلماء دولة فهم محائدون؟ وغير ذلك من عبارات التهكم والتحريش. فاشتدت معاكستهم للجمعية وحربهم لها حتى اندلعت الحرب الثانية، وبعد أسبوعين من اندلاعها فرضت الإدارة الإقامة الجبرية على الحميد في قسنطينة ومنعوه من مغادرتها.

تفكيره في الثورة:

أيامَ اشتعال الحرب اجتمعتُ به لآخر مرة بنادي الترقي وكان حاضر الاجتماع تلميذه الشيخ محمد بن الصادق الملياني ليس غير، وبعدما تحادثنا معه في مواضيع خاصة وعامة انتفض رحمه الله وقال: "هل لكم أن تعاهدوني؟" فقال له الشيخ محمد الملياني: "لا أستطيع قبل أن أعرف" ثم توجه إلي وقال: "وأنت؟" فقلت: "إذا كان على شيء أنت فيه معي فإني أعاهدك"، قال: "طبعاً أنا لا أكلف غيري بما لا أكلف به نفسي". فمددتُ يدي وصافحته وقلت: إني أعاهدك ولكن على ماذا؟ قال: "إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها إيطاليا الحرب". ثم افترقنا ولم يعد بعدها إلى الجزائر. وهكذا كانت نيته. ولست أدري كيف تكون الحالة لو عاش فينا إلى ذلك الحين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:43 pm

طريقته في العمل:



يطوف ببعض أنحاء الجزائر للوعظ والتذكير وتفقد الرفقاء وتوجيههم كل أسبوع. والنظام الذي كان يسير عليه هو: أن دروسه تبتدئ صباح السبت وتنتهي مساء الأربعاء، وفي ذلك المساء يغادر قسنطينة وما يعود إليها إلا صباح السبت حيث يستأنف التدريس، فتارة يقضي يومي عطلة الأسبوع بالجزائر، وتارة بتلمسان وتارة ببسكرة أو غيرها من البلدان. فكانت أيام الأسبوع بالنسبة إليه أيام عمل لا تخلو من مفيد أو جديد، بالإضافة إلى ما يقوم به من مشاركة أعضاء جمعية العلماء في تحرير الجريدة التي تصدرها الجمعية بلسانها.

صموده وثباته إلى أن مات:

حاول الفرنسيون أيام الحرب أخْذ مدرسة التربية والتعليم وإحلال اللغة الفرنسية فيها محل اللغة العربية، فقال لهم: لا أسمح بهذا حتى أموت دونه. فحاولوا الحصول منه على كلمة يشم منها رائحة تأييد في حربهم مع الألمان فما استطاعوا، حتى أسلم الروح لباريها يوم 16 أفريل [نيسان] 1940 أثر مرض لازم فيه الفراش اياماً معدودات، وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً ومن قائل أنه مات موتة طبيعية –ولا يعلم الحقيقة إلا الله- وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.

في جامع الزيتونة


في عام 1908 م قرر ابن باديس -وهو الشاب المتعطش للعلم- أن يبدأ رحلته العلمية الأولى إلى تونس، وفى رحاب جامع الزيتونة الذي كان مقراً كبيراً للعلم والعلماء يُشبه في ذلك الأزهر في مصر. وفي الزيتونة تفتحت آفاقه، وعبّ من العلم عبًّا، والتقى بالعلماء الذين كان لهم تأثير كبير في شخصيته وتوجهاته، مثل الشيخ محمد النخلي الذي غرس في عقل ابن باديس غرسة الإصلاح وعدم تقليد الشيوخ، وأبــان لــه عـــن المنهج الصحيح في فهم القرآن. كما أثار فيه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور حب العربية وتذوّق جمالها ، ويرجع الفضل للشيخ البشير صفر في الاهتمام بالتاريخ ومشكلات المسلمين المعاصرة وكيفية التخلص من الاستعمار الغربي وآثاره.
تخـرج الشيخ من
الزيتونة عام 1912 م وبقي عاماً آخر للتدريس حسب ما تقتضيه تقاليد هذه الجامعة، وعندما رجع إلى الجزائر شرع على الفور بإلقاء دروس في الجامع الكبير في قسنطينة، ولكن خصوم الإصلاح تحركوا لمنعه، فقرر القيام برحلة ثانية لزيارة أقطار المشرق العربي.

في المدينة النبوية

بعد أداء فريضة الحج مكث الشيخ ابن باديس في
المدينة المنورة ثلاثة أشهر، ألقى خلالها دروساً في المسجد النبوي، والتقى بشيخه السابق أبو حمدان الونيسي وتعرف على رفيق دربه ونضاله فيما بعد الشيخ البشير الإبراهيمي. وكان هذا التعارف من أنعم اللقاءات وأبركها، فقد تحادثا طويلاً عن طرق الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة واضحة في ذلك. وفي المدينة اقترح عليه شيخه الونيسي الإقامة والهجرة الدائمة، ولكن الشيخ حسين أحمد الهندي المقيم في المدينة أشار عليه بالرجوع للجزائر لحاجتها إليه. زار ابن باديس بعد مغادرته الحجاز بلاد الشام ومصر واجتمع برجال العلم والأدب وأعلام الدعوة السلفية، وزار الأزهر واتصل بالشيخ بخيت المطيعي حاملاً له رسالة من الشيخ الونيسي.

العودة إلى الجزائر

وصل ابن باديس إلى الجزائر عام 1913 م واستقر في مدينة قسنطينة، وشرع في العمل التربوي الذي صمم عليه، فبدأ بدروس للصغار ثم للكبار، وكان المسجد هو المركز الرئيسي لنشاطه، ثم تبلورت لديه فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين، واهتماماته كثيرة لا يكتفي أو يقنع بوجهة واحدة، فاتجه إلى الصحافة، وأصدر جريدة المنتقد عام 1925 م وأغلقت بعد العدد الثامن عشر؛ فأصدر جريدة الشهاب الأسبوعية، التي بث فيها آراءه في الإصلاح، واستمرت كجريدة حتى عام 1929 م ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها"، وتوقفت المجلة في شهر شعبان 1328 هـ (أيلول عام 1939 م) بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وحتى لا يكتب فيها أي شيء تريده الإدارة الفرنسية تأييداً لها، وفي سنة 1936 م دعا إلى مؤتمر إسلامي يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر، وقد وجه دعوته من خلال جريدة لاديفانس التي تصدر بالفرنسية، واستجابت أكثر التنظيمات السياسية لدعوته وكذلك بعض الشخصيات المستقلة، وأسفر المؤتمر عن المطالبة ببعض الحقوق للجزائر، وتشكيل وفد سافر إلى فرنسا لعرض هذه المطالب وكان من ضمن هذا الوفد ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي ممثلين لجمعية العلماء، ولكن فرنسا لم تستجب لأي مطلب وفشلت مهمة الوفد.

العوامل المؤثرة في شخصية ابن باديس

لا شك أن البيئة الأولى لها أثر كبير في تكوين شخصية الإنسان، وفي بلد كالجزائر عندما يتفتح ذهن المسلم على معاناته من فرنسا، وعن معاناته من الجهل والاستسلام للبدع-فسيكون هذا من أقوى البواعث لأصحاب الهمم وذوي الإحساس المرهف على القلق الذي لا يهدأ حتى يحقق لدينه ولأمته ما يعتبره واجباً عليه، وكان ابن باديس من هذا النوع. وإن بروز شخصية كابن باديس من بيئة ثرية ذات وجاهة لَهو دليل على إحساسه الكبير تجاه الظلم والظالمين، وكان بإمكانه أن يكون موظفاً كبيراً ويعيش هادئاً مرتاح البال ولكنه اختار طريق المصلحين.
وتأتي البيئة العلمية التي صقلت شخصيته وهذبت مناحيه والفضل الأكبر يعود إلى الفترة الزيتونية ورحلته الثانية إلى الحجاز والشام حيث تعرف على المفكرين والعلماء الذين تأثروا بدعوة الشيخ
محمد بن عبد الوهاب وما دعا إليه من نقاء العقيدة وصفائها. وكان لمجلة المنار التي يصدرها الشيخ رشيد رضا أثر قوي في النظر لمشكلات المسلمين المعاصرة والحلول المطروحة.
ومما شجع ابن باديس وأمضى عزيمته وجود هذه العصبة المؤمنة حوله-وقد وصفهم هو بالأسود الكبار-من العلماء والدعاة أمثال الإبراهيمي والتبسي والعقبي والميلي. وقد عملوا معه في انسجام قلّ أن يوجد مثله في الهيئات الأخرى.

آثار ابن باديس

شخصية ابن باديس شخصية غنية ثرية و من الصعوبة في حيز ضيق من الكتابة الإلمام بكل أبعادها و آثارها ؛ فهو مجدد و مصلح يدعو إلى نهضة المسلمين و يعلم كيف تكون النهضة. يقول:
إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله و رسوله إذا كانت لهم قوّة ، و إذا كانت لهم جماعة منظّمة تفكّر و تدبّر و تتشاور و تتآثر ، و تنهض لجلب المصلحة و لدفع المضرّة ، متساندة في العمل عن فكر و عزيمة.

الشّيخ عبد الحميد ابن باديس (يسارا) و الشّيخ الطيّب العقبي ( يمينا)
وهو عالم مفسّر ، فسّر القرآن الكريم كلّه خلال خمس و عشرين سنة في دروسه اليومية كما شرح
موطأ مالك خلال هذه الفترة ، و هو سياسي يكتب في المجلات و الجرائد التي أصدرها عن واقع المسلمين و خاصة في الجزائر و يهاجم فرنسا و أساليبها الاستعمارية و يشرح أصول السياسة الإسلامية ، و قبل كل هذا هو المربي الذي أخذ على عاتقه تربية الأجيال في المدارس والمساجد، فأنشأ المدارس واهتم بها، بل كانت من أهم أعماله ، و هو الذي يتولى تسيير شؤون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، و يسهر على إدارة مجلة الشهاب ويتفقد القاعدة الشعبية باتصالاته المستمرة. إن آثار ابن باديس آثار عملية قبل أن تكون نظرية في كتاب أو مؤلَّف ، و الأجيال التي رباها كانت وقود معركة تحرير الجزائر ، و قليل من المصلحين في العصر الحديث من أتيحت لهم فرص التطبيق العملي لمبادئهم كما أتيحت لابن باديس ؛ فرشيد رضا كان يحلم بمدرسة للدعاة ، و لكن حلمه لم يتحقق ، و نظرية ابن باديس في التربية أنها لا بد أن تبدأ من الفرد ، فإصلاح الفرد هو الأساس .
و طريقته في التربية هي توعية هذا النشء بالفكرة الصحيحة كما ذكر الشّيخ الإبراهيمي عن اتفاقهما في المدينة: "كانت الطريقة التي اتفقنا عليها سنة 1913 في تربية النشء هي ألا نتوسع له في العلم و إنما نربيه على فكرة صحيحة"
و ينتقد ابن باديس مناهج التعليم التي كانت سائدة حين تلقيه العلم و التي كانت تهتم بالفروع و الألفاظ - فيقول: "و اقتصرنا على قراءة الفروع
الفقهية، مجردة بلا نظر ، جافة بلا حكمة ، وراء أسوار من الألفاظ المختصرة ، تفني الأعمار قبل الوصول إليها" المصدر السابق ص141. أما إنتاجه العلمي فهو ما جمع بعد من مقالاته في "الشهاب" و غيرها و من دروسه في التّفسير و الحديث.
بعد كل ما سبق ذكره ، ألا يستحق ابن باديس أن يكرم بذكرى يوم العلم ؟


محاولة اغتيال ابن باديس

كانت الحملات (في الصحافة الإصلاحية و خاصة في الشهاب) متوالية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة و المضللين، واشترك في الكتابة فحول العلماء والمفكرين في الجزائر وتونس والمغرب وكان من أشدهم عنفا على الطريقة العليوية وشيخها المتهم بالحلول ووحدة الوجود، كاتب يمضي مقالاته باسم (بيضاوي) فحاول العلويين معرفة هذا الكاتب، ولكن إدارة الشهاب أبت الكشف عنه، كما كان الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس قد ألف رسالة علمية يرد فيها على الشيخ ابن عليوة لسوء أدبه مع النبي (ص) وعلى بعض شطحاته الحلولية المنافية للعقيدة الإسلامية، ولأهمية هذه الرسالة قرضها أهم كبار علماء الجزائر وتونس والمغرب.

وهكذا تحرك غيض العلويين، فقرروا الفتك بالإمام الجليل عبد الحميد بن باديس فعقدوا اجتماعا في مدينة مستغانم بالغرب الجزائري واتفقوا فيه أن يغتالوا الشيخ المصلح، وأرسلوا من ينفذ هذه الخطة، وفي مدينة قسنطينة شرع هذا الشخص الموفد مع بعض مساعديه يترصدون الشيخ لمعرفة مسكنه وتحركاته وأوقاته، وفي مساء يوم 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق ليوم 14/12 / 1926 م أقدم الجاني على تنفيذ محاولته الآثمة، ولما دنا منه هوى عليه بهراوة وأصابه بضربتين على رأسه وصدعه، فشج رأسه وأدماه، لكن الشيخ أمسك به ونادى النجدة بضربتين وحاول المجرم أن يسل خنجرا من نوع (البوسعادي) نسبة لمدينة بوسعادة بالجنوب الجزائري ليجهز على الشيخ، و لكن الله نجاه، بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه، وأرادت الفتك به، فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته وفتشته فوجدت عنده سبحة وتذكرة ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم، (من مستغانم إلى قسنطينة) زيادة عن الموس أي الخنجر والعصا، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، وصدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجنا. رغم أن الإمام الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا : إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، أطلقوا سراحه، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ المعتدي عليه) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا : إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول إلى غير ذلك مما جرى في المحاكمة.

وقد قيل في هذه الحادثة من النظم والنثر حينئذ في مختلف الصحف الجزائرية وغير الجزائرية ما يؤلف موسوعة كاملة، نشرت جريدة الشهاب الجزائرية الكثير منها وتناولها الشيخ الإمام الجليل مفتي الجزائر أحمد حماني بالتسجيل والشرح في كتابه (صراع بين السنة و البدعة) فليرجع إليه من شاء زيادة بيان.


وفاته رحمه الله تعالى

هذا هو الإمام العالم الجليل عبد الحميد بن باديس الجزائري
الذي كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. لم يكن يثنيه عن هذا الأمر الذي وجه كل جهده إليه أي عائق من العوائق الكثيرة التي كانت تعترض سبيله.

فقد ظل يجاهد بفكره ولسانه وقلمه في جبهات عديدة, في مجال التعليم والصحافة والسياسة والإصلاح الديني والاجتماعي والدعوة إلى الإيمان الصحيح, ومقاومة البدع والخرافات والأوهام, ومحاربة الظلم والفساد, وأشكال الاضطهاد, والوقوف في وجه القوانين الجائرة التي كانت سيفا مسلطا على أعناق الجزائريين. بهذه الروح الوطنية الوثابة, وبهذه العزيمة الصلبة ظليعلم الناس ويرشدهم, ويثقف أفكارهم, ويبصرهمبواجباتهم تجاه أنفسهم ووطنهم, وتجاه دينهم ولغتهم, لأنه كان يرى أن واجبه الأول في معركة بلاده مع الاستعمار هو تعبئة الناس, وتنوير عقولهم بالعلم والمعرفة, وتسليحهم بالوعي والإيمان, ليبقى إحساسهم بذاتيتهم قويا, وارتباطهم بوطنهم متينا, وليكونوا دائما على أهبة لما يتطلبه واجب الدفاع عن الوطن وتحريره من كل أشكال الظلم والاستبداد.

هذا هو الرجل الذي عرفته الجزائر الحبيبة عالما عاملا, وفقيها مجتهدا, ومربِّيا مخلصا, ومصلحا, وسياسيا, وإماما.

هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض, وروحها الوثابة وضميرها اليقظ, وفكرها المتبصر, ولسانها المبين, لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية, ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته, ولا للإغراءات والمساومات, بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.

وفي مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل1940م، أسلم العالم الجزائري الجليل ورائد النهضة والإصلاح الإمام عبد الحميد بن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بعد أن أوفى بعهده، وقضى حياته في سبيل الإسلام ولغة الإسلام، وقد دفن -رحمه الله- في مقبرة آل باديس بمدينة قسنطينة.

وهكذا فارق الجزائر وهو في أوج العطاء, إذ لم تتجاوز سنة يوم وفاته خمسين سنة وبضعة أشهر, فارق الجزائر قبل أن يتم المشاريع التي بدأها, ويحقق الأحلام التي كانت تراوده, فارقها وهي تستعد لتنظيم نفسها, وجمع شملها, وتعبئة قواها, والتهيؤ لإعلان الثورة المسلحة الكبرى التي كان عمله ممهدا لها.

هكذا مات الإمام الجليل العالم الفذ عبد الحميد بن باديس الجزائري كما يموت كل عظيم تاركا وراءه تاريخا حافلا, وتراثا فكريا زاخرا.

مات الإمام عبد الحميد بن باديس ولكن أفكاره لم تكت لأنها أصبحث جزءا من أمجاد هذا الشعب الأبي الثائر الذي ظلّ وفيا لهذا الرجل, مخلصا في ارتباطه به, وتمسكه بأفكاره, فقد ظل يقيم له الذكرى ويكرمه ويكرم نضاله منذ وفاته إلى اليوم.

ومع بداية فجر الاستقلال رسمت الدولة هذا التكريم, واعتبرته تكريما مستحقا, وجعلت من ذكرى وفاته يوما وطنيا للعلم والعلماء تحييه كل سنة بصفة رسمية في جميع أرجاء البلاد, وخلدت إسمه في كثير من المنشآت.






وصف حي لشاهد معاصر لجنازة العالم الجليل فضيلة الشيخ عبد الحميد بن باديس

لقد عاش الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورة كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، قبل وفاته حتى (أصيب بسرطان في الأمعاء لم يتفرغ لعلاجه فقضى عليه في النهاية) – الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي الجزائري (مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 21، ص : 143، سنة 1964 م، القاهرة).

...وقد لفظ أنفاسه الأخيرة رحمة الله عليه في ليلة الثلاثاء الثامن من ربيع الأول سنة 1359 هـ الموافق لـ 16 أبريل 1940 م في مسقط رأسه بمدينة قسنطينة، التي اتخذها في حياته مركزا لنشاطه التربوي، والإصلاحي، والسياسي، والصحافي.

وفي يوم تشييع جنازته إلى مقرها الأخير خرجت مدينة قسنطينة على بكرة أبيها كلها تودعه الوداع الأخير، كما حضرت وفود عديدة من مختلف جهات القطر الجزائري للمشاركة في تشيع الجنازة ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة (انظر حمزة بوكوشة، جريدة البصائر العدد 49، ص 8، الصادر في 13 سبتمبر 1948، الجزائر، من السلسلة الثانية ]19471955]).

وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناءه المواطنون الجزائيون بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.

وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته وسط جموع غفيرة من الجزائريين وكان المشيعون خمسين ألفا، أو يزيد، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير وقد تركت وفاة الإمام العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي :

"
لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلنتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس "

يوم العلم : 16 أفريل :


تحتفل مدينة قسنطينة على غرار باقي ولايات الجزائر بذكرى يوم العلم التي تصادف يوم 16 أفريل من كل سنة ، و قد اختير هذا اليوم تكريما للعلامة عبد الحميد ابن باديس الذي قدم خدمات جليلة للجزائر ، و يصادف هذا اليوم ذكرى وفاته .
و انطلاقا من هذه الذكرى اكتسبت مدينة قسنطينة اسم مدينة العلم ، حيث تشهد خلال هذه الكرى احتفالات و تظاهرات علمية و ثقافية و حتى رياضية ، مسابقات ثقافية مختلفة عبر كامل تراب الوطن .
فمن هو عبد الحميد ابن باديس ؟

هذا هو الشيخ الجليل الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس الذي تحتفل الجزائر العظيمة كلها منذ وفاته في 16 أفريل 1940 بذكرى وفاته من كل عام بيوم العلم الذي هو يوم وفاته رحمه الله رحمة واسعة وتلك بعض خصاله وأعماله، وقد ترك من ورائه تراثا ضخما في العلم، والأدب، والصحافة، وفي تفسير القرآن الكريم، والحديث الشريف، وفي السياسة والتلاميذ الأوفياء، صار اليوم بعد استقلال الجزائر الذي عمل الشيخ العلامة الجليل عبد الحميد بن باديس أكثر من ربع قرن من أجله، مرجعا خصبا للدراسات الجامعية الرصينة داخل الجزائر، وفي المشرق العربي، وفي أوربا وأمريكا، وفي جامعات عديدة في العالم كله.

وقد رثاه الشعراء والكتاب والعلماء والفانون وخلدته الجزائر في قلبها كواحد من أعظم أبنائها الذين خدموها بتجريد وإخلاص طيلة حياته، وعاهدته عهدالشرف والوفاء، على مواصلة السير في الطريق الذي اختطه لها في حياته، وهو طريق التحدي والصمود و العزة والكرامة والحرية والاستقلال، في ظل الحضارة العربية الإسلامية.

وقد وفت الجزائر العربية المسلمة بعهدها الذي قطعته للشيخ الجليل العالم الفذ عبد الحميد بن باديس وحقق أبطال الجزائر مفجرو ثورة الفاتح من نوفمبر سنة 1954 المجيدة "ثورة المليون والنصف المليون من الشهداء الأبرار" كل ما جاهد في سبيله الشيخ الجليل العالم الفذ الإمام عبد الحميد بن باديس طيلة سبعة وعشرين عاما من حياته العامرة بجلائل الأعمال، وذلك خلال حوالي ثمان سنوات من الجهاد المتواصل بالفكر والقلم حتى تم طرد الاستعمار الفرنسي نهائيا من الجزائر الحبيبة جزائر الصمود والتحدي جزائر القوة والجدارة جزائر الأصالة والحضارة ومعدن الرجال الشجعان وعرين الأسود ونالت إستقلالها بدماء خيرة أبناءها وبناتها الزكية وبفضل كفاحهم المسلح ضد أقوى ترسانة عسكرية عالميا ورابع قوة عسكرية في الحلف الأطلسي آنذاك وأعطت فرنسا دروسا في فن القتال والصمود في ساحات الوغى لمدة سبع سنوات ونصف من الإقتتال الشرس في الجبال والغابات والوديان وحرب العصابات في المدن حتى نالت الجزائر استقلالها التام في5 جويلية عام 1962 إلى الأبد بإذن الله وتحقق حلم العالم الجليل الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى و أسكنه فسيح جنانه..




يتبع... بعلم آخر من أعلام الجزائر الأفذاذ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:43 pm





موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الخامسة

الإمام الجليل محمد البشير الإبراهيمي..
المسيرة والجهود

الإمام الجليل : محمد البشير الإبراهيمي

منذ عشرات القرون والعالم العربي والإسلامي محط أطماع كثير من الدول الاستعمارية المتربصة به، والتي استهدفت دائما تفكيك أوصاله واستنزاف ثرواته، ونجحت أغلب تلك المحاولات الاستعمارية العديدة المنظمة في أن تفرض سيطرتها وتبسط نفوذها وهيمنتها على بعض أقطار الوطن العربي والإسلامي في فترات متفاوتة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية عبر مسيرة تاريخها الطويل، ولكن إرادة التحرر وعزيمة أبناء تلك الأمة كانت دائما تنتصر على أطماع الغزاة والمستعمرين مهما طال الزمان، وكان الله يقيض لهذه الأمة روادا من بين أبنائها يبعثون فيها روح الجهاد، ويشعلون فيها إرادة المقاومة حتى تنتصر على أعدائها وتستعيد حريتها وكرامتها، وتملك زمام أمرها من جديد.
وكان "محمد البشير الإبراهيمي" واحدا من هؤلاء الرواد والزعماء الذين أشعلوا تلك الجذوة في نفوس أبناء أمتهم، وساهموا في رفع راية الجهاد ضد الاستعمار في أوطانهم، وفي إيقاظ الوعي بين أبناء أمتهم حتى تحقق لها النصر وتحررت من أغلال الاستعمار البغيض.
لقد كان "البشير الإبراهيمي" حلقة من حلقات الجهاد الطويل في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وأحد الذين شكلوا وعي ووجدان الأمة العربية والإسلامية على امتداد أقطارها؛ حيث كان أحد رواد الحركة الإصلاحية في "الجزائر"، وأحد مؤسسي "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، وكان زميلا للشيخ "عبد الحميد بن باديس" في قيادة الحركة الإصلاحية، ونائبه في رئاسة جمعية العلماء، ورفيق نضاله لتحرير عقل المسلم من الخرافات والبدع.

البداية والتعلم
ولد "محمد البشير الإبراهيمي" في (15 من شوال 1306 هـ= 16 من يوليو 1889م) في قرية "سيدي عبد الله" قرب مدينة "سطيف"العريقة غرب مدينة "قسنطينة"، الأنيقة في بيت من أعرق بيوت الجزائر، يرجع نسبه إلى الأدارسة العلويين من أمراء المغرب العربي في أزهى عصوره، وتلقى تعليمه الأوَّلي على والده وعمه الشيخ "محمد المكي الإبراهيمي" الذي كان من أبرز علماء "الجزائر" في عصره؛ فحفظ القرآن ودرس بعض المتون في الفقه واللغة، كما حفظ العديد من متون اللغة ودواوين فحول الشعراء، فلما مات عمه صار يُدَرِّس ما تلقاه عنه، ولم يكن قد جاوز الرابعة عشرة من عمره.
لكنه ما لبث أن غادر "الجزائر" إلى "الحجاز" وهو في العشرين من عمره -سنة (1330 هـ = 1911م)- ليلحق بأبيه الذي كان قد سبقه إلى هناك قبل ذلك بنحو أربعة أعوام.
وواصل "البشير" تعليمه في "المدينة المنورة"، واتصل بعالمين كبيرين كان لهما أثر كبير في توجيهه وتكوين فكره، وهما الشيخ "عبد العزيز الوزير التونسي" وقد درس عليه الفقه المالكي وأخذ عنه "موطأ مالك"، والشيخ "حسين أحمد الفيض آبادي الهندي" الذي أخذ عنه "صحيح مسلم". وكان "البشير" شغوفا بالعلم، يقضي معظم وقته بين المكتبات الشهيرة بـ"المدينة المنورة"، ينهل من كنوزها، ليروي ظمأه المعرفي ويشبع نهمه العلمي.

علاقتة بابن باديس


وفي أثناء إقامته في المدينة المنورة تعرف على الشيخ "عبد الحميد بن باديس" عندما قدم لأداء فريضة الحج عام (1331 هـ = 1913م)، كما التقى بعالم جزائري آخر هو "الطيب العقبي" وكان قد سبقه إليها قبل سنوات، وجمعت بين ثلاثتهم ألفة ومودة شديدة زادتها اتصالا ميولهم واهتماماتهم المشتركة، وأضفت عليها الغربة مزيدا من القوة والعمق.

وعاد "ابن باديس" إلى "الجزائر" ليبدأ بها برنامجه الإصلاحي، بينما ظلَّ "البشير" في المدينة المنورة حتى غادرها إلى دمشق سنة (1335هـ = 1916م) حيث اشتغل بالتدريس، وشارك في تأسيس "المجمع العلمي" الذي كان من غاياته تعريب الإدارات الحكومية، وهناك التقى بالعديد من علماء دمشق وأدبائها.

تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين


وفي عام (1338هـ = 1920م) غادر "البشير الإبراهيمي" دمشق عائدا إلى "الجزائر"، وبدأ بدعوته إلى الإصلاح ونشر العلم في مدينة "سطيف"،العريقة وبدأ في إلقاء الدروس الدينية والمحاضرات العلمية لطلاب العلم من أبناء بلده، وعندما رأى إقبال طلاب العلم على دروسه وخطبه شجعه ذلك على إنشاء مدرسة لتدريب الشباب على الخطابة وفنون اللغة والأدب، ولم تنقطع صلته بصديقه " الشيخ عبد الحميد بن باديس" طوال تلك الفترة، فكانا يتبادلان الزيارات من حين لآخر.
وفي عام (1342 هـ = 1924 م) زاره "ابن باديس" وعرض عليه فكرة إقامة "جمعية العلماء"، فلاقت الفكرة قبولا في نفس "البشير"، فأخذا يدرسانها ويضعان لها الأطر والأهداف التي تقوم عليها تلك الجمعية، وقد استغرق ذلك زمنا طويلا حتى خرجت إلى حيز الوجود، وعقد المؤتمر التأسيسي لها في (17 من ذي الحجة 1349 هـ = 5 من مايو 1931 م)، وذلك في أعقاب احتفال "فرنسا" بالعيد المئوي لاحتلال "الجزائر"، وبعد تأسيس الجمعية اختِير "الشيخ عبد الحميد بن باديس" رئيسا لها واختير "الشيخ محمد البشيرالإبراهيمي" نائبا لرئيسها، وانتدب من قِبل الجمعية لأصعب مهمة، وهي مدينة نشر الإصلاح في غرب "الجزائر" وفي مدينة "وهران"الساحرة وهي المعقل الحصين للصوفية الطرقيين، فبادر إلى ذلك وبدأ ببناء المدارس الحرة، وكان يحاضر في كل مكان يصل إليه، وبنى أكثر من مائتي مسجد، وامتد نشاطه إلى مدينة "تلمسان"الجمال وهي واحة الثقافة العربية في غرب "الجزائر".

وقد أثار نشاط "البشير" حفيظة الفرنسيين كما أثار قلقهم ومخاوفهم من نتيجة هذا الغرس الذي يؤدي إلى صحوة إسلامية عارمة، وإيقاظ وعي أبناء الأمة، فأسرعوا باعتقاله ونفيه إلى صحراء "وهران" سنة (1359 هـ = 1940 م)، وبعد أسبوع من اعتقاله توفي "ابن باديس" فاختاره العلماء رئيسا لجمعيتهم خلفا له، ولم يُفرج عنه إلا بعد وشك انتهاء "الحرب العالمية الثانية " سنة (1362 هـ = 1943 م)، لكنه ما لبث أن اعتقل مرة ثانية عام (1364 هـ = 1945 م)، وأفرج عنه بعد عام واحد.

وفى عام (1366 هـ = 1947 م) عادت مجلة "البصائر" للصدور، وكانت مقالات "الإبراهيمي" فيها غاية في القوة والبلاغة، وتتسم بقدر كبير من الجرأة والصراحة والنقد القاسي لفرنسا العجوز وعملاء "فرنسا".

قضايا واهتمامات

عبد الكريم الخطابي رفقت الشيخ البشير الابراهيمي و الشيخ الشرباصي

وقد وقف "البشير" -في جريدة "البصائر"- مدافعا عن اللغة العربية ضد حملات التغريب من المستعمر الفرنسي وأعوانه، يقول عن اللغة العربية: "اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل".. كما اهتم أيضا بالدفاع عن قضية "فلسطين"، وسخر قلمه للتعريف بها والدفاع عنها.

وقد كان "البشير الإبراهيمي" واسع المعرفة، متنوع الثقافة، متعدد الميول والاهتمامات، ألف في الأدب واللغة، كما صنف في الفقه والمعاملات، ونظم الشعر وكتب العديد من المقالات، وترك "البشير" تراثا علميّا وأدبيّا كبيرا ما يزال بعضه حبيسا حتى الآن، ومن أهم تلك الأعمال:
- أسرار الضمائر العربية.
- الاطراد والشذوذ في العربية.
- التسمية بالمصدر.
- حكمة مشروعية الزكاة.
- رواية رائعة"كاهنة أوراس".
- شعب الإيمان (في الفضائل والأخلاق الإسلامية).

- الصفات التي جاءت على وزن "فُعَل".
- عيون "البصائر"، (وهي مجموعة مقالاته التي نشرت في جريدة "البصائر").
- فتاوى متناثرة.
- الملحة الرجزية في التاريخ.






وقد عاش "البشير الإبراهيمي" حتى استقلت الجزائر، فلما أُعْلِن الاستقلال عاد إلى وطنه، وخطب لأول صلاة جمعة في مسجد "كتشاوة" بالعاصمة الجزائرية، وكان الفرنسيون قد حولوه إلى كنيسة بعد احتلالهم "الجزائر".

وقد لزم "البشير" بيته بعد عودته، ولم يشارك في الحياة العامة بعد أن تقدم به العمر ووهنت صحته، إلا أنه لم يكن راضيا عن الاتجاه الذي بدأت تتجه إليه الدولة بعد الاستقلال؛ فأصدر عام (1384 هـ = 1964 م) بيانا قال فيه: "إن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية".

وفاته
تُوفي الشيخ الجليل والعالم الفذ محمد البشير الإبراهيمي -رحمه الله- يوم الخميس (18 من المحرم 1385 هـ = 19من مايو1965م) عن عمر بلغ (76) سنة، قضاها في خدمة الإسلام والمسلمين.
بقلم: سمير الحلبي

ونلتقي في الحلقة السادسة مع علم آخر من أعلام الجزائر فانتظرونا بحول الله وقوته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة أعلام الجزائر   الأحد نوفمبر 17, 2013 4:43 pm









موسوعة أعلام الجزائر



الحلقة السادسة

الإمام الشيخ الجليل الإمام الشهيد / العربي التبسي

أحد فرسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.



نشأة العربي التبسي وطلبه للعلم

[color=red]ولد العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات التبسي بقرية " إيسطح " النموشية (نسبة إلى قبيلة النمامشة الأمازيغية الكبيرة ) جنوب غرب مدينة " تبسة " شرق الجزائر-وتبعد عنها بنحو مائة وسبعة عشرة كيلو متر- وذلك في سنة 1312هـ (1895م). في عائلة فلاحية فقيرة، وكان والده إلى جانب عمله في الزراعة يتولى تحفيظ القرآن لأبناء القرية في الكتاب.

إبتدأ العربي التبسي حفظ القرآن على يد والده في مسقط رأسه وقد توفي والده حوالي سنة1320هـ (1903م) ، وفي سنة1324هـ (1907 م) رحل إلى زاوية ناجي الرحمانية بـ" الخنقة " جنوب شرق مدينة "خنشلة" فأتم بها حفظ القرآن خلال ثلاث سنوات، ثم رحل إلى زاوية مصطفى بن عزوز بـ" نفطة " جنوب غرب تونس في سنة 1327هـ (1910م) ، وفيها أتقن رسم القرآن وتجويده ، وأخذ مبادئ النحو والصرف والفقه والتوحيد ، وفي سنة 1331هـ (1914م) التحق بجامع الزيتونة بتونس العاصمة حيث نال شهادة الأهلية واستعد لنيل شهادة التطويع ولم يتقدم إلى للامتحان. و رحل إلى القاهرة حوالي سنة 1339هـ (1920م) ومكث فيها يطلب العلم في حلقات جامع الأزهر ويطالع مكتباتها إلى سنة (1927م)، و ألقى عدة دروس ثم رجع في السنة نفسها إلى تونس الجارة الشقيقة وحصل على شهادة التطويع (العالمية ) من جامع الزيتونة العريق .
[color=blue]

نشاطه الدعوي

أولا : نشاطه قبل تأسيس الجمعية

عاد الشيخ الجليل العربي التبسي رحمه الله إلى الجزائر الحبيبة عام (1347هـ) الموافق لـ (1927م) ليبدأ نشاطه الدعوي في مدينة " تبسة " التي أصبح ينسب إليها ، وذلك في مسجد صغير يدعى " مسجد ابن سعيد " فبدأ الناس يلتفون حوله ويزدادون يوما بعد يوم حتى ضاق بهم هذا المسجد ، فانتقل بعدها إلى الجامع الكبير الذي تشرف عليه الإدارة الحكومية الفرنسية ، لكن سرعان ما جاءه التوفيق عن النشاط من الإدارة بإيعاز من الطرقيين ، فعاد إلى المسجد العتيق " ابن سعيد " ليواصل نشاطه بالرغم من ضيقه بالناس الذين استجابوا لدعوة الإصلاح واقتنعوا بها. وكانت دروس الشيخ للعامة تلقى بعد صلاة العشاء فترى الناس يسرعون من معاملهم ومنازلهم لأداء الصلاة وسماع الدرس فيمتلئ بهم المسجد، وكانت طريقة الشيخ أن يختار نصا قرآنيا أو نبويا يناسب موضوعه، فيفسره تفسيرا بارعا يخلب ألباب السامعين ، فيريهم حكمة الشرع ومعانيه السامية، ثم يتدرج إلى بيان الأمراض الاجتماعية فيشرحها ويبين أسبابها وعواقبها في الدنيا والآخرة ، ومن ذلك نقضه لبدع الطرقيين الضالين وتنبيهه على إفسادها للعقيدة الإسلامية وسلبها لعقول الناس ، فيظهر بطلانها ويكشف حقيقة أدعياء التصوف الدجالين .

ولما لاحظ الفرنسيون نشاط الشيخ والتفاف الناس حوله ، أخذوا في مضايقته ومضايقة أنصاره حتى في ذلك المسجد الصغير الخارج عن إدارتها ، ولما تفاقم الأمر نصحه الشيخ الجليل الإمام العلامة عبد الحميد ابن باديس بالانتقال إلى مدينة "سيق" في الغرب الجزائري التي أبدى سكانها استعدادا لقبول إمام من أئمة الإصلاح ، فانتقل إليها بداية سنة 1930م، ففرح أهلها بقدومه وأقبلوا على دروسه واستفادوا من علمه وخلقه وتوجيهاته فمكث فيهم إلى آخر سنة 1931م ، وفي هذه المدة تمكن من بث الدعوة الإصلاحية السلفية ليس في مدينة سيق فحسب، ولكن في أنحاء كثيرة من الغرب الجزائري.

ثانيا : دعوته إلى إنشاء الجمعية

لقد كان تأسيس جمعية للعلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الإمام العالم الجليل عبد الحميد بن باديس والدعاة العاملين على ساحة الدعوة تجمع الجهود لتصب في إتجاه واحد، وتوقظ الأمة وتنشر فيها الوعي والعلم وتجدد لها أمر دينها أمنية من أماني الشيخ الجليل العربي التبسي ، وقد كان ممن هيأ الأجواء لتأسيسها بمجموعة من المقالات نشرت له في جريدة الشهاب ومن أصرحها في ذلك المقال الذي نشره سنة (1926م) بعنوان " أزفت ساعة الجماعة وتحرم عصر الفرد "والذي قال فيه :« فإن هذا العصر عطل الفرد ونبذ حكمه ، وأمات مفعوله، وتجاهل وجوده، فأينما أملت سمعك أو أرسلت نظرك في الشرق أو الغرب، لم تجد إلا أمة فحزبا فهيأة منها وإليها كل شيء، فهي التي تذب عن الهيأة الاجتماعية، وتحرس الأمة في نوائب الدهر وعادية الأيام ، وتغار على كرامتها وحسن الحديث عنها ، وتأخذ بيدها قبل أن تغرق عند هبوب السماسم ولفح الأعاصير ، وتكون لسانها الناطق بطلباتها ، وحسها المتألم لألمها »لات (1/55)]. وقد تألم الشيخ أكثر لعدم شعور الأمة بحالها المزري ولطول نومها وسباتها ، تألم ألما لم يقدر على كبته فسطر مقالات عناوينها صيحات، أراها لا تزال صالحة أن يخاطب بها أهل زماننا فقال : «هذه جزائركم تحتضر أيها الجزائريون فأنقذوها». وقال:« ألا أيها النوام هبوا ». وقال: « الجزائر تصيح بك أيها الجزائري أينما كنت ». واسمع إلى هذه الكلمات المعبرة التي أبيت إلا نقلها :« بكائي على الإسلام ومبادئه ونحيبي على وحدة الدين الذي أضاعه بنوه ، الذي أمر بالجماعة وحث عليها ، بل وجعل المنشق عنها في فرقة من الدين وعزلة عن الإسلام وعداء لأهله . والذي فلق الحب وبرأ النسمة لو أن امرأ مسلما مات أسفا وحزنا على حالة هذه الأمة لكان له عند الله العذر . أيطيب لنا عيش مع هذه الحالة ؟ …»لات (1/60-61)]. وتحقق ذلك الأمل في 5 ماي 1931م بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

أهم نشاطاته بعد إنشاء الجمعية



- في سنة 1932م ألح عليه سكان مدينة "تبسة" بأن يرجع إليهم فاشترط عليهم تأسيس مدرسة ومسجد فوافقوا على شرطه ، فرجع وأسس " مدرسة تهذيب البنين والبنات " التي جهزت تجهيزا عصريا، وبلغ عدد تلامذتها عام افتتاحها 1934م خمسمائة تلميذ ، وبجانب المدرسة بنى مسجدا جديدا لا يخضع لمراقبة الإدارة الفرنسية .

- وفي سنة 1935م تم تعيينه كاتبا عاما للجمعية خلفا للشهيد الأستاذ محمد الأمين العموديكما كان رئيس لجنة الفتوى فيها.

- وفي 1940م انتخب الشيخ الجليل العربي التبسي نائبا لرئيس الجمعية الجديد الإمام الجليل العالم الفذ الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي الذي كان منفيا في مدينة "أفلو" من سلطات الإستعمار، وابتدأ التدريس في الجامع الأخضر في السنة نفسها .

- وفي سنة 1942م قررت جمعية التربية والتعليم بمدينة قسنطينة نقل نشاطها الذي كان بالجامع الخضر إلى مدينة تبسة نقلا مؤقتا ليشرف عليه الإمام الجليل الشيخ العربي التبسي عن قرب.

- وبعد افتتاح معهد الإمام عبد الحميد بن باديس عام 1947م انتقل إلى مدينة قسنطينة بعد أن أسندت إليه مهمة إدارته وقد بقي على رأسه إلى يوم غلقه منطرف المستعمر الفرنسي سنة 1956م. ولم يكن انتقاله إلى مدينة قسنطينة أمرا سهلا بالنسبة لسكان مدينة تبسة ، قال الإمام الجليل العالم الفذ الشيخ محمد البشيرالإبراهيمي: « أرضينا سكان تبسة الكرام الذين كانوا يعدون انتقال الأستاذ التبسي عنهم كبيرة يرتكبها من يتسبب فيها ، وأقنعناهم بأن الشيخ العربي رجل أمة كاملة لا بلدة واحدة ورجل الأعمال العظيمة لا الأعمال الصغيرة فاقتنعوا، وأمنا لهم مشاريعهم العلمية والدينية بإيجاد من يخلف الأستاذ فيها فرضوا مخلصين ».

- وفي نوفمبر 1950م ذهب إلى فرنسا للمطالبة بتحرير التعليم في الجرائر مع الإمام العالم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، فلما رأى حال العمال الجزائريين هناك وحاجتهم إلى التعليم، لفت الأنظار إلى القضية ودفع بالجمعية إلى تنظيم الدعوة في فرنسا.

- وفي سنة 1952م رحل الإمام الجليل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى المشرق فتولى رئاسة الجمعية نيابة عنه إلى أن توقف نشاطها. و بعد غلق معهد الإمام عبد الحميد بن باديس انتقل إلى العاصمة الجزائرية لإدارة شؤون الجمعية فيها وما بقي من مدارسها ومساجدها، واستأنف دروس التفسير للعامة في مسجد "حي بلكور" الذي كان يكتظ بالمستمعين على الرغم من ظروف الحرب، وبقي في الجزائر العاصمة إلى أن اختطف رحمه الله.
وفاته

أولا : حادث الاختطاف

قد علم المستعمرون أن الشيخ الجليل الإمام العربي التبسي يتمتع بشعبية كبيرة وأنه مؤيد للجهاد وأحد محركي القواعد الخلفية له، فأرسلوا إليه عن طريق إدارتهم في الجزائر عدة مبعوثين للتفاوض معه بشأن الجهاد ومصيره ولدراسة إمكانية وقف إطلاق النار، فاستعملوا معه أساليب مختلفة من ضمنها أسلوب الترغيب والترهيب، وكان جواب الشيخ الجليل العربي التبسي دائما إن كنتم تريدون التفاوض فالمفاوض الوحيد هو جبهة التحرير الوطني ، ذلك أنه شعر بأن مقصودهم هو تفكيك الصفوف، وربح الوقت والحد من حدة المواجهة العسكرية ليس إلا، وبعد رفضة المستمر للتفاوض باسم الأمة، رأى المستعمرون أنه من الضروري التخلص منه، ولم يستحسنوا اعتقاله أو قلته علنا لأن ذلك سوف يزيد من حماس الأمة للجهاد ومن حقدها على المستعمر، فوجهوا إليه تهديدات عن طريق رسائل من مجاهيل تأمره بأن يخرج من البلاد، وبعد أن أصر الشيخ الجليل على البقاء ، ويئس الكفار منه قاموا باختطافه بطريقة جبانة، ننقل وصفها من بلاغ نشرته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في جريدة البصائر بمناسبة حادث الاختطاف :« وفي مساء يوم الخميس 4 رمضان 1376هـ - 4 أفريل 1957م، وعلى الساعة الحادية عشر ليلا إقتحم جماعة من الجند الفرنسي التابعين لفرق المظلات سكن فضيلة الأستاذ الشيخ الجليل العربي التبسي ، الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، والمباشر لتسيير شؤونها ، وأكبر الشخصيات الدينية الإسلامية بالجزائر ، بعد أن حطموا نوافذ الأقسام المدرسية الموجودة تحت الشقة التي يسكن بها بحي بلكور بالجزائر العاصمة حي طريق التوت … وكانوا يرتدون اللباس العسكري الرسمي للجيش الفرنسي … وقد وجدوا فضيلة الشيخ في فراش المرض الملازم له ، وقد إشتد عليه منذ أوائل شهر مارس … فلم يراعوا حرمته الدينية ، ولا سنه العالية، ولا مرضه الشديد ، وأزعجوه من فراش المرض بكل وحشية وفظاظة ، ثم أخذوا في التفتيش الدقيق للسكن … ثم أخرجوه حاسر الرأس حافي القدمين … ولكن المفاجأة كانت تامة عندما سئل عنه في اليوم الموالي بعده في الإدارات الحكومية المدنية والعسكرية والشرطية والعدلية ، فتبرأت كل إدارة من وجوده عندها أو مسؤوليتها عن اعتقاله أو من العلم بمكانه».

لقد قتله الفرنسيون بعد تعذيبه ولم يرضخ لمطالب الفرنسيين وصبر على العذاب حتى نال الشهادة والتحق بركب الشهداء . رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.

من ثناء أهل العلم والفضل عليه

1- قال الشيخ الجليل الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس الأستاذ العربي بن بلقاسم التبسي ، هذا رجل عالم نفاع قصر أوقاته ببلدة تبسة على نشر العلم الصحيح وهدي العباد إلى الدين القويم ، فقد عرف قراء الشهاب مكانته بما نشرنا له ، وخصوصا مقالاته الأخيرة " بدعة الطرائق في الإسلام " ولأول مرة زار هذا الأستاذ قسنطينة فرأينا من فصاحته اللسانية ومحاجته القوية مثل ما عرفناه من قلمه ، إلى أدب ولطف وحسن مجلس طابت له المنازل ورافقته السلامة حالا ومرتحلا».

2- قال الشيخ الجليل العالم الفذ محمد البشير الإبراهيميمدير بارع ومرب كامل ، خرجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم، خرجه القرآن والسيرة النبوية في الدين الصحيح والأخلاق المتينة ، وأعانه ذكاؤه وألمعيته على فهم النفوس ، وأعانته عفته ونزاهته على التزام الصدق والتصلب في الحق وإن اغضب جميع الناس ، وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمة والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال ، وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة ومقارعة الحجة بالحجة ومقارعة الاستعمار في جميع مظاهره»(2/218).

3- قال الشيخ الجليل مفتي الجزائر الإمام أحمد حمانيوقد كان عالما محققا ومدرسا ناجحا ومربيا مقتدرا وكاتبا كبيرا يمتاز بأسلوبه العلمي بالعمق والمتانة ودقة المعلومات ، لكنه لم يترك آثارا كثيرة لاشتغاله -طول حياته- بالتدريس ، وما تركه من آثار يبرهن على مكانته العالية في الكتابة ، وكما كان كاتبا كان خطيبا مصقعا ، ومحدثا لبقا ومحاورا ماهرا، يمتاز بحضور البديهة والمقدرة على الإقناع القلبي والفكري وحسن البديهة ، وله فيها أمثلة رائعة » ]صراع بين السنة والبدعة (2/57)].


ونلتقي لنرتقي مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء في الحلقة السابعة إن شاء الله تعالى.
فانتظرووووونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
 
موسوعة أعلام الجزائر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاحلام :: ۩۞۩ :: المنتديات الثقافية:: ۩۞۩ :: ملقتي التاريخ الاسلامي-
انتقل الى: