منتدى الاحلام


اسلامي - اجتماعي - ثقافي - رياضي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
اشترك فى منتدى الأحلام واكسب الحسنات باذن الله
نرحب بالضيوف الكرام ونتمنى من الله عز وجل ان يتقدم المنتدى الى الامام لما فيه خير للاسلام والمسلمين
مطلوب مشرفين لجميع أقسام المنتدى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (ثلاث مرات
أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربَّ أعوذ بك من عذابٍ في النار وعذاب في القبر
"اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خَلَقتني وأنا عَبْدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت وأعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمداً عبدك ورسولك" (أربع مرات
اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر
اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت. اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت" (ثلاث مرات
"حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (سبع مرات
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي
اللهم عَالِمَ الغيب والشَّهادة، فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن اقترف على نفسي سوءًا أو أجُره إلى مسلم
"بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" (ثلاث مرات)
رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً" (ثلاث مرات)
"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كُله ولا تَكِلْني إلى نفيس طرفة عين"
أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذه اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده"
"أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبيَّنا محمد صلى الله عليه وسلم وملَّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين"
"سبحان الله وبحمده" (مائة مرة)
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (عشر مرات) (أو مرة واحدة عند الكسل)
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”(مائة مرة إذا أصبح)
"سبحان الله وبحمده عدد خلقهِ ورِضَا نفسِهِ وزِنُة عَرشِهِ ومِداد كلماته" (ثلاث مرات إذا أصبح)
"اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً" (إذا أصبح)
"أستغفر الله وأتوب إليه" (مائة مرة في اليوم)
"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (ثلاث مرات إذا أمسى)
"اللهم صل وسلم على نبينا محمد" (عشر مرات)

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة (1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة (1)   الأربعاء نوفمبر 20, 2013 5:00 pm

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
 
الحمد لله ثناء أثنى به الله على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا ﴿  الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾.

فالحمد ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى، بما أنعم على عباده من نعم لا يحصيها غيره، وبما بسط لهم من الرزق وسخر لهم جميع الكائنات من غير استحقاق منهم لذلك، والألف واللام في ﴿ الْحَمْدُ ﴾ لاستغراق جميع المحامد وصنوفها لله، فما من حمد واقع أو مفروض منذ البداية حتى النهاية يصرفه أحد إلى أحد إلا وينصرف إلى الله، إذ هو أهله؛ لأنه معطي الجميل ومعطف أهل الفضل لفعل الجميل.

ثم إن معنى الحمد في الاصطلاح هو معنى الشكر في اللغة، ومعنى الشكر في الحقيقة هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلقه لأجله، من جميع الجوارح والحواس والآلات والقوى، وكافة النعم والأموال، فيحسن التصرف فيها باستعمالها في طاعة الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه، إذ يتضمن مدلولا الحمد والشكر القيام بجميع أنواع العبودية المرضية لله، ففي قرن الحمد بلفظة الجلالة الكريمة هذه الدلالة العظيمة، فمن لم يقم بذلك لم يكن حامداً ولا شاكراً على الحقيقة، إذ مجرد النطق لا يفيد، ومن قصر في أنواع العبودية كان مقصرا بحمد ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ بقدر ذلك، و﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ هم مَنْ سوى الله، فكل من سوى الله تعالى فهو عالم (بفتح اللام).

ومن هنا قالوا بعموم مدلولهم جميع أجناس المخلوقات، فمعنى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَسيدهم المربي لهم الذي رباهم بنعمته:
1- تربية خلقية يكون بها نموهم وكمال إحساسهم وقواهم النفسية والعقلية.

2- تربية هداية فطرية لكل نفس ما يلائمها من طلب نفع أو مكافحة ضرر.

3- تربية هداية شرعية لأهل الإدراك منهم لما يسعدهم  في دنياهم وأخراهم، وذلك بما يوحيه إلى أفراد منهم بدينه القويم، وتشريعه النافع، ومن هنا قال من قال بقصر معنى (العالمين) على أهل الإدراك من الجن والإنس والملائكة، والتعميم بجميع المخلوقات هو الأولى؛ لورود النصوص القرآنية بتسبيح كل شيء وسجود كل شيء لله ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: 48].

4- رباهم تربية معيشية بتسخيره لهم كل دابة ومادة، وتيسير أرزاقهم حسب تقديره الأزلي، وإنعامه عليهم بالنعم التي لا يمكن لهم البقاء بدونها. ولذلك استحق جميع المحامد بحيث إن أي حمد يتجه إلى محمود ما فهو لله - تعالى - سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه؛ لأنه مصدر جميع الوجود والفضل والنعمة والمعروف والإحسان، فلهذا ثنى السورة بقوله ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لأن تربيته للعالمين بأنواعها المتقدمة ليست الحاجة به إليهم قطعياً، وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه؛ لأن ربوبيته ليست مقصورة على القهر والعزة والجبروت، بل فائضة بالرحمة واللطف والإحسان، فهو الرحمن المنعم بجلائل النعم كالسموات والأرض وما بعث فيهما من دابة ومادة، وما سخره من شمس وقمر وأفلاك، وما وهبه من نعم وصحة وعقل، وهو ﴿ الرحيم ﴾ بدقائق النعم، كسواد العين، وتلاصق شعرات أهدابها المانعة من دخول كل ما يؤذيهما مع كون النور يلمح من خلالها.

وهو ﴿ الرحيم ﴾ الذي اقتضت رحمته وحكمته أن يجعل ماء العينيين مالحاً؛ ليحفظ شحمهما من الذوبان، وجعل ماء الأذن مرَّا؛ ليمنع الذباب وسائر الحشرات من الولوج فيها لصعوبة خروجه منها، ودقة إيذائه إذا بقي فيها، وجعل ماء الأنف لزجاً ومسالكه ملتوية ليتقمع الداخل المؤذي، ويطيب التنفس، وترهف حاسة الشم، وجعل ماء الفم حلواً رائقاً ليطيب للإنسان بما يمضغه من الطعام، كما جعل في اللسان أجهزة دقيقةً كثيرةً جداً لتمييز التذوق، وجعل في الفم نفسه أجهزة لحسن الابتلاع واتقاء الضرر.

وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ الذي جعل الليل والنهار، هذا صالح للسكن، مفيد نومه صحياً، وهذا للعمل واكتساب الرزق، كما يأتي توضيح ذلك في سورة القصص - إن شاء الله -، ثم هو ﴿ الرحمن ﴾ ذو الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، حتى الكافر والفاسق والمتمرد، وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما نص على ذلك في الآية (157) من سورة الأعراف، كما سنوضحه بحوله تعالى وقوته، وهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ في خلقه وتكوينه، وحسن تصويره، وقسمته للأرزاق، وتشريعه لخلقه  من الدين ما يحرر نفوسهم ويزكيها، وتشريعه لهم من الأحكام ما يحصل به عموم الرحمة والسعادة والرفاهية والأمن والعيشة الراضية في الدارين، فتحليله رحمة، وتحريمه رحمة، وعزيمته رحمة، ورخصته رحمة، وعقوباته رحمة، ومصائبه وبلاياه رحمة ظاهرة، لمن تدبرها، وخافيه لمن عمي أو غفل عنها، فهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ البالغ في الرحمة غايتها، والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها.

واعلم أنه لا ينافي عموم رحمته ما يجريه على خلقه من  النكبات التي هي عقوباته القدرية، ولا ما يفرضه عليهم من العقوبات الشرعية، فإنها كلها رحمة وعدل اقتضته حكمته تأديباً للجناة رحمة بهم، وبمن جنوا عليه، وإيقاظاً للعصاة الذين فرطوا أو أعرضوا عن هديه، وقد يسلط أعداءه على بعض  المسلمين المتعبدين ببعض الشعائر، وهم مهملون لبعضها أو للمهم فيها، كالتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، الذي من موجباتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وكبت المنكرين له في صحفهم وكتبهم الخبيثة، الطاعنين في دينه، المحادين له ولرسوله، بتحبيب الكفر والفسوق والعصيان، في كتبهم وصحفهم، التي لا يجوز للمسلم أن يسمح بها أو يتسع صدره لانتشارها في بلاده؛ كيلا يحرمه الله من رحمته الواسعة؛ لأنه أقسم بحصول الخسران لمن لم يتصف بذلك من بني الإنسان، فكيف يطمع بدوام رحمة الله وشمولها من لم يغضب لله، ومن لم يتمعر وجهه فيه، ولم يحقق محبته بموالاة أحبابه ومعاداة أعدائه، والبراءة منهم، وممن تنكب عن الهدى، ويعمل على أطره على الحق أطرا.

((هذه الأمور العظيمة)) التي تستلزم لصاحبها العزم على الجهاد، وإعداد المستطاع من كل قوة لازمة ملائمة يتمكن بها من قمع المفتري على الله، والمعرض عن سبيله، أو المتعرض له بالصد عن الحق والإغراء والفتنة، يسد بذلك الفراغ والثغور، التي ينفذ منها المبطلون من الأحزاب المغرضة المنحرفة، وذوي المبادئ الهدامة، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، وطم سيلها الوعر والسهل، والتي تلبس في كل زمان زياً خاصاً بسبب تفريط المسلمين في هذه الأصول العظيمة، لما انطفأت جمرة الغيرة من قلوبهم، وعكفوا على خرافات وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، أو اكتفوا بفعل بعض الشعائر التي يأتون بها خالية من الحب والتعظيم لرب العالمين، فأصبحوا بذلك عرضة للعقوبات القدرية التي سنفصلها في تفسير قوله تعالى:﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]. وخسروا النصيب الأوفر من رحمة الله التي خصصها في سورة الأعراف للمؤمنين المتبعين القائمين بنصرة دينه، فرحمته الكاملة الشاملة لا تُنال بدون ذلك، ومن طمع بها دون أن يسلك مسالكها من تحقيق التقوى  والأخذ بالأسباب الواقية فهو العاجز الذي يتمنى على الله الأماني.

والله كتب على نفسه نصرة المؤمن والدفاع عنه، والانتقام من المخالفين بشتى أنواع العقوبات، وقد ينجي بعض الناس مع ما بهم من البدعة التي تأولوها بنية حسنة، لثباتهم على ما هم فيه احتساباً، وإنفاقهم المال في سبيله لعدم وجود من يوجههم إلى الحق، والله يعامل عباده بحسب نياتهم وقوة غيرتهم نحوه، ومدى اندفاعهم لطاعته وحفظ حدوده، وقد يرى الطبيب الماهر قطع عضو، أو قلع سن؛ فيكون ذلك رحمة لصاحبه وإصلاحاً لحاله. و- لله المثل الأعلى والحجة البالغة -.وسنزيد الموضوع توضيحا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ ﴾ [البقرة:155] إن شاء الله تعالى، ثم إن ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- جل وعلا -، إذ يعاقب أصحاب المخالفات في الدنيا ويسلط عليهم أعداءهم ولا يبالي بهم في أي وادٍ هلكوا، فإنه لا يضيع من حسناتهم شيئاً في الدار الآخرة، إذا خلصت من نوائب الشرك، وقد يضاعفها لهم بصبرهم أو بأسباب أخرى.

ومن تمام رحمته أن اختص بالملك والحكم وحده في دار الجزاء، فهو ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إذ لو جعل الأمر هناك إلى سلاطين البشر ورؤسائهم ووزرائهم ومديريهم كما في الدنيا، لحصل الجور والمحاباة، وكثرت الأثرة والأنانية، ولم يدخل الجنة سوى عدد من محسوبيهم، وقذفوا بسائر الخلق في الجحيم، ولكن رب العزة - جل وعلا - اختص بالحكم في ذلك ليحقق رحمته وعدله وجزيل فضله، فلا تظلم أو تهضم نفس شيئاً وإن كان مثقال ذرة، ولاطمئنان المؤمنين بالغيب لأحكامه في الآخرة رخصت عليهم نفوسهم وأموالهم في ذات الله، فاتصفوا بأشرف السجايا وأكرم الخصال، وسارعوا في الخيرات، وأقدموا وتنافسوا على الجهاد، فنالوا النصر والسؤدد في الدنيا حيث حقت عليهم كلمة ربهم الحسنى، ورحمته الواسعة، وسينالون الجزاء الأوفى في الدار الآخرة، ومن عداهم انعكست أحوالهم بتفريطهم في جنب الله وعدم قيامهم بواجبه.

والدين هنا يطلق لغة على المكافأة والجزاء، وقد ورد الأثر: ((كما تدين تدان)) ويطلق على الطاعة والإخضاع والسياسة، ويقال: ((دانه وتولى سياسته)) ويطلق على الشريعة وما يؤاخذ العباد به من التكاليف، وقد قرئ ﴿ ملك يوم الدين ﴾ بوجوه كثيرة، إلا أنها شاذة، وهي على طريقة الاتساع وبها يجري الظرف مجرى المفعول به فيكون معناه على الظرفية أي: الملك في الدين، ويجوز أن يكون المعنى: (ملك الأمور يوم الدين) فيكون فيه حذف، أما على القراءة المشهورة عند عاصم والكسائي وغيره فتقديرها: (مالك الأمر يوم الدين) أو مالك مجيء يوم الدين، وبصفتها تقتضي حذفاً، فإن قراءة (ملك يوم الدين) أبلغ في المعنى، وأرجح من حيث الدلالة اللغوية؛ لأن الملك أعظم من المالك، إذ قد يوصف كل واحد بالمالك لماله دون الملك، فإنه سيد الناس، ولها تأييد ثالث من القرآن وهو قوله: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ [الأنعام: 73] وعلى كل حال بقراءة مالك تعطي المراد أيضا، وتخصيصه تعالى لنفسه الحكم في الآخرة نعمة عظيمة يشكره عليها العارفون لضبط الجزاء أولا، ثم يشكرونه لمضاعفة الأمر ثانياً كما سيأتي في بحث الشكر، وأيضا فتخصيصه لنفسه الحكم في الآخرة هو المشجع للمؤمنين بالغيب على تحقيق عبوديته والاستعانة به والتفاني في ذلك.

ولذلك أرشدهم في هذه السورة الكريمة إلى حصرها له حيث قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بتقديم المفعول وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ولا نتوكل إلا عليك، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وذلك لأمور...

معاني العبادة والاستعانة:
أحدها: أن العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره، والوقوف عند حدوده، وقبول جميع ما ورد عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون رد شيء من ذلك أو إلحاد فيه.

ثانيها: أن التذلل والخشوع فيها ناشئ عن حب وتعظيم، فمن خضع لأحد مع بغضه له لا يكون عابداً له ومن أحبه ولم يخضع له بالقبول والانقياد لم يكن عابدا له أيضاً كمحبة الإنسان لوالده أو صديقه، إذ لابد أن يقترن الحب بالتعظيم ليحصل الخضوع والانقياد، فلو حصلا بسبب الخوف والإرهاب لا يكون عبادة، ومن هنا وجبت محبة الله ورسوله وتعظيمها وتقديم محبتهما على كل شيء.

ويشهد لذلك حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحاح والمسانيد حيث نص الرسول صلى الله عليه وسلم أن موافقة النصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يشرعونه عبادة لهم، وإن كانوا لا يحسبونه ولا يعتقدونه عبادة، والله سبحانه يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة:165].

ثالثها: من ألزم وأعظم أنواع العبودية أخذ القرآن بقوة، وذلك بالعمل بما فيه، وإقامة حدوده، دون الاقتصار على إقامة حروفه، كما هي الحال عليه في هذا الزمان، وألا يُسطى على نصوصه بالتأويل أو التحريف.

رابعها: العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، وتعني العمل وفق شريعته سبحانه وتعالى وطبق حدوده. فمن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو قلد متبوعاً محبوباً فيما استهواه فليس عابداً لله كما يفيد معنى الحصر في الآية، بل هو عابد للطاغوت المفتئت على حكم الله.

خامسها: من ترك العمل بشعائر الإسلام معتمدا على مجرد لفظ الشهادتين فهو مشرك عابد للهوى والشيطان. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [يس: 60]. وقال سبحانه: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[الجاثية:23].

سادسها: جميع أنواع العبادة التي سنفصلها في تفسير ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [البقرة: 21] من خوف ودعاء وخشية ورجاء واستعانة واستعاذة لا يجوز شيء منها لغير الله وهو مصادم لمقصود الله في حصره ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ كما أنه شرك مخل بمدلول الشهادتين.

سابعها: إقامة الحدود والحكم بما أنزل الله من لوازم عبوديته سبحانه، وهما من صميم العقيدة؛ لأن من عطل حدود الله، أو لم يحكم بشريعته فقد ابتغى غير الله حكما، فإن ادعى عدم صلاحيتها للعصر، فإنه طاغوت تجب منابذته حتى تكون عبودية الله مرتكزة على أصل صحيح.

ثامنها: لباب العبودية الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة فيه، فلا تجوز محبة شخص إلا في ذات الله، ولأن حاله موافقة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تاسعها: روح العبودية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن مقتضياتهما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقمع المفتري، فمن تخلى عن ذلك ولم يفعل قدر المستطاع فقد أخل بعبودية رب العالمين.

عاشرها: من تمام عبودية الله - سبحانه - نصرة المظلوم وردع الظالم مهما كان نوع ظلمه وأطره على الحق أطرا.

حادي عشرها: من العبودية الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها من النشاط في العمل والسعي لطلب الرزق، وبذل أقصى الجهد في الاستعداد بالقوة، وتسخير كل ما في الكون ليعين المسلمين على التواصي بالحق وقمع المفتري، وإقامة الجهاد، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: فالتوكل مقرون بالعبادة كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]. اهـ.

ثاني عشرها: ذروة سنام الدين وعبودية رب العالمين الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، إذ لا يمكن الانتصار لله ودحض المفترين إلا به، ومن لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات ميتة جاهلية، وحق عليه غضب الله وذلته في الحياة الدنيا.

ثالث عشرها: عبودية رب العالمين لا تسمح للعابد إقرار المفتري على الله ورسوله من كل ملحد أو مبتدع، فضلاً عن موالاتهم والعياذ بالله باسم القومية أو الوطنية ونحوهما.

رابع عشرها: تقتضي عبودية الله على العابد الحقيقي أن يعتبر نفسه خليفة الله في أرضه، مسئول عما يجريه فيها أعداؤه من الفساد والخبث، فيسعى لإزالته ببذل أقصى مجهوده ويستغل جميع الطاقات من أجل ذلك، فمن اقتصر على ركعات يصليها وأدعية يرددها، وسُبحَة يعلقها، لم يقم بواجب العبودية؛ لأنه ترك المشاقين لله ورسوله يسرحون ويمرحون.

خامس عشرها: على عابد الرحمن أن يعرف نفسه حق المعرفة، وأن يعرف دوره وواجبه في هذه الحياة، فلا يعيش في مجتمعه مقلداً ومسايراً، ولا تابعاً مسالماً، بل يكون قائداً متبوعاً آمراً وناهياً، يفرض عقيدته ومبدأه حيث حل.

سادس عشرها: تحقيق عبودية الله والاستعانة به من كافة الوجوه، فتحرر النفوس من رق العبودية لغير الله من كل سلطان وهمي، وتسمو بعقله عن الخضوع لتُرَّهات القبوريين والمشعوذين، وتعصمها من همزات شياطين الجن والإنسان، وتنقذها من مكر الدجاجلة المضللين المهرجين؛ لأنها - بإذن الله - تكسب العبد فرقاناً يميز به بين الحق والباطل، ويعرف به دعاة الرشد من دعاة الغي الذين تفاقم شرهم.

سابع عشرها: عبودية الله المرضية تستلزم الإخلاص له والصدق معه ببذل جميع مجهوده وطاقته في ذات الله، وتكريس جميع أوقاته في النصح له ولرسوله وعباده المؤمنين من آمر ومأمور وسيد ومسود، بلا كسل ولا جبن أو فتور، ليصدق القسم الإلهي في سورة (العصر) وأن يكون مخلصاً في حركاته وسكناته كلها.

ثامن عشرها: عبودية الله المرضية تقتضي حسن المعاملة للخالق والمخلوق فيعامل الله ويراقبه حق المراقبة كأنه يراه؛ ليرقى بذلك إلى درجة الإحسان، وينال حظ المحسنين، ويحسن معاملة الخلق أيضاً، بما يجب أن يعاملوه به ليحقق الإيمان، ويكون أسوة صالحة مؤثرة في دعوته، نافعاً لأمته، ويكون كل فرد منها مواطناً صالحاً، فيتحقق لها الوئام والكرامة.

تاسع عشرها: العبودية بمعناها الصحيح تسمو بالذات إلى أشرف الغايات، وتكسب صاحبها عزة معنوية وصلابة في دين الله، بحيث لا يستطيع الولاة أن يشتروه بموائدهم وخلعهم، ولا أن يخضعوه بسياطهم؛ لأنه قوي الإيمان، زكي الجنان، مترفع عن المادة، شعاره شعار الأنبياء: ((اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة)).
 
العشرون: القيام بواجب العبودية يحقق لصاحبه الصلة الروحية بالله ورسوله فلا يزحزح عقيدته هديرُ أصحاب القوميات الذين غيروا كلام الله وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا حب الله ورسوله بحب الوطن، وبدلوا تقديس حدود الله وشعائره بتقديس حدود الوطن ومصالحه، حتى تبجحوا بأكل السحت تكثيراً للثروة القومية، وبمسارح اللَّهو ونوادي الإثم والمنكر وبلاجات الخلاعة، زعماً للحضارة الخاطئة المعكوسة الممجوجة من قيح الاستعمار ودمه وصديده، بل حضارته حضارة صحيحة عجنت مع اسم الله ومراقبته، وقامت على أساس الإيمان والطابع الديني المطهر للأخلاق، الحافظ للأموال، المبارك في الأوقات والأعمال.

الحادي والعشرون: تحقيق عبودية الله عز وجل، يتكون منها شعوب وفصائل، أعزة على الكافرين تجدهم أمامهم أشداء في صلابة الحديد، لا تلين لهم قناة مهما بلغوا عددا وعدة، بينما تجدهم أذلة على إخوانهم المؤمنين رحماء بينهم، متسابقين إلى منفعة بعضهم بعضاً، فَهُمُ في ذات الله للمؤمنين كنعمومة الحرير وكالغيث السح الغدق، وعلى أعداء الله شداد غلاظ لا يقبلون صرفاً ولا عدلاً ممن لا يدين دين الحق، وعلى العكس تجد الذين لم يحققوا عبودية الله وفق شرعه يظاهرون النصارى والملاحدة ويتوددون إليهم، ويسخرون بالمسلمين ويرمونهم بكل نقيصة.
 
الثاني والعشرون: عبودية الله تحقق لمن قام بها الرشد والصلاح والفلاح والوحدة الصحيحة المشبعة بروح المودة والإخاء التام، ومن استنكف عن عبوديته وتنكب عن شريعته فقد سفه نفسه ووقع في خسران مبين وشقاق بعيد، كما نرى أصحاب المبادئ والنظريات المنحرفة عن شرع الله، وقعوا في ذلك وحق عليهم وعيد الله بقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾[البقرة: 137]، فحصر أحوالهم بالشقاق تارة، وبالسفاهة تارة، وبالخزي تارة، وبالكبت والذلة مرة،فجميع أنواع الوعيد في القرآن متحقق فيهم، ولكنهم يغالطون ويقلبون الحقائق.

الثالث والعشرون: تحقيق العبودية يكون منه معسكر واحد يقف لإعزاز كلمة الله كأنه بنيان مرصوص، فيمضي بمحبة الله ونصرته وتأييده بجند من عنده لاهتدائه بتحقيق العبودية إلى غض النظر عن الخلافات الجزئية، وطهره من الأثرة والأنانية، فهو أعظم حرمة عند الله من السماء التي زينها بالنجوم وحفظها من كل شيطان رجيم.

الرابع والعشرون: للعبادة الصحيحة المطابقة لهدي الله أثر عظيم في تقويم أخلاق القائم بها، وتطهير نفسه من الإعجاب والكبر والسخرية بالغير واحتقاره، والإفك والغيبة والنميمة، كما تزكيها من جميع أنواع الشرك والانصياع إلى المبادئ الوثنية المادية التي ظهرت علينا بأسماء محببة من قومية ووطنية وشيوعية واشتراكية، كعجل بني إسرائيل المصوغ، ولكنها يبدو زيفها بأدنى نقد، ويظهر فسادها وعدم جدواها بأدنى حادثة؛ لأنها لا تحل مشكلة ولا تحرز نصراً إلا بانضمام غيرها إليها.

الخامس والعشرون: من لوازم العبودية ألا يتقدم المسلم بين يدي الله ورسوله بأي تشريع يخالف الكتاب والسنة، مهما كان وحيث كان، ولا يقبل ذلك من أحد ولا يقر أحداً عليه، بل ينكره بحسب استطاعته ويتقرب إلى الله ببغض صاحبه وتكريس جهوده للرد عليه ومعارضته بشتى الطرق والأساليب، نصرة لله ورسوله دون مبالاة بالدنيا وزينتها، فإن من الإيمان الفرار بالدين من الفتن.

السادس والعشرون: من لوازم العبودية ودلائل إخلاصها القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية في سائر الآفاق بحسب استطاعته وتفهيم كتاب الله لأسرته وعشيرته، كي يقوموا بواجبهم معه، وألا يألو جهداً في نشر الإسلام غبر مبالٍ بالمصاعب والتكاليف كي يحسن التصرف بوراثة محمد صلى الله عليه وسلم في حمل رسالته ويكون له أحسن خليفة. ألا ترى أنه بتجميد المسلمين لرسالتهم شغل أعداؤهم الفراغ الذي أحدثوه، فجندوا عشرات الآلاف من المبشرين ومثلهم من الملاحدة لنشر المسيحية الكاذبة والإلحاد، ففتنوا أولاد المسلمين وأشغلوهم بالملذات والأباطيل حتى جعلوهم كالأنعام، وما الذنب إلا ذنب المسلمين الجامدين القاعدين عن رسالتهم، الواثقين بأعدائهم حيث يتسابقون إلى إدخال أولادهم المدارس التي يدرس بها خريجو مدارس فرنسيس وأفراخ الإفرنج، فهل فاقد الشيء يعطيه؟!! وهل يرجون من شجر الحنظل رماناً أو برتقالاً؟! أم أنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم؟ فعلى عباد الله الانتباه للواقع السيئ من جديد؛ ليصححوا دينهم ويحققوا عبوديتهم لله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الفاتحة (1)   الأربعاء نوفمبر 20, 2013 5:02 pm

تفسير سورة الفاتحة (2)


حب الله ورسوله:

السابع والعشرون: كمال العبودية ولبابها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يفضل على طاعة الله وابتغاء مرضاته أولاداً ولا أباً ولا أماً ولا إخواناً ولا أزواجاً ولا عشيرةً ولا موطناً ولا مالاً ولا عقاراً ولا ضيعة، فتفضيل شيء من ذلك على مرضاة الله ومحبته والجهاد في سبيله مخل بالعبودية وسالب الإيمان أو مضعف له بحبه.
 
وذلك أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب قوي انطلاقه لمرضاة محبوبه، فإذا كانت المحبة لله تامة استلزمت إرادة جازمة في بذل الوسع لتحصيل محبوب الحق تبارك وتعالى، ودفع ما يكرهه والزهد والمعاداة لما يصده عن ذلك، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان دليلاً على ضعف محبته لله ورسوله في قلبه وإيثاره ما سواهما، مما تقدم، فالحب خير حاجز للقلب، وخير حارس له، إذا احتل قلباً وشغله ومنعه من أن يغزوه، أو يكون كالغصن تميله الأهوية فيكون لعبة للعابثين، وعبدا للأطماع والشهوات؛ لأنه لابد للمرء أن يستعبده شيء من المحبوبات من شهوة حيوانية أو مال أو رئاسة أو عصبية أو مذهب من مبتكرات أهل هذا الزمان، وذلك إذا شغر قلبه من حب الله، قال الشيخ ابن تيمية: ((إن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الآخرة، فالمحب لله ورسوله إذا لم يتحمل ما يتحمله المحبون لغير الله في حصول مطلوبهم، دل ذلك على ضعف محبة الله، إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل، ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله..)).
 
ومن أضل ممن أشقى نفسه وأفناها في حب غير الله فجعلها عرضة للعقوبات في الدنيا والآخرة، وخسر العزة والثواب؟ ومحبة الله لا تكون إلا بمحبة ما أحب وتحقيقه، وكراهة ما كرهه من متلبس بكفر أو فسوق أو عصيان، ومعاداته والسعي لإزالته، ولا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يفضل على غيره، ولو حقق المسلمون هذه القاعدة، لما ذلوا بل كانت لهم السيادة وتحققت لهم القيادة.
 
الثامن والعشرون: ليس بين الحق والباطل طرف ثالث مقبول لله. فقد حصر الله الضلال فيما سوى الحق بقوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32] فالمعرض عن الله لابد أن ينصرف قلبه إلى غيره، وفاقد الحب الصحيح لابد له من الحب الفاسد المفسد لقلبه المخرب لضميره، المتلف لمهجته، الضار بأسرته وأمته، كما هو مشاهد محسوس، فإن المعرض عن عبادة الله يستعبده ما سواه من مطامع الدنيا وشهواتها، ويفني عمره في اتباع الأذواق والمواجيد المتلونة التي لا يستقر لها قرار، ولا يتحقق فيها أمن ولا راحة، فبخروج الناس من عبودية إله واحد فرد صمد، وقعوا تحت استرقاق آلهة كثيرة، وفرضت عليهم أهواؤهم الإلحادية تضحيات وخسائر لا يكلفهم بها الرحمن الرحيم، فعاشوا ويعيشون في جحيم من الاضطرابات والتخليط، بل في جحيم من الأنانية المستمرة التي تحملوا أهوالها من همزات الرؤساء الماديين وقلاقلهم، مهما حصروا إيمانهم في رئيس أو جماعة أو أمة أو دولة أو مذهب فاشي أو سواه من الفلسفات المؤدية إلى الولاء الجماعي لطاغية يتحكم في الشعوب وباسم الشعوب. فيعرضها للويلات، ويسوقها للمجازر، فقد أثبت الواقع أن الولاء الجماعي كلف الناس مثلما كلفهم الهوى الفردي من شطط، فما أعظم خسارة العالم بانحطاط المسلمين وابتعاد العرب خاصة عن حمل رسالة رب العالمين.
 
التاسع والعشرون: من أجل ذلك كانت عبودية الله المرتكزة على وحيه وهداه تستلزم الكفر بالطاغوت، فنص الله نصًا قاطعا على الكفر به، فقال: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: 256]، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾  [النحل: 36][1].
 
والطاغوت اسم جنس يعم كل ما يُطغي البشر عن الحق من أي مبدأ كان وأي طريقة وأي شخص يرتكز نفسه بفلسفات أو شعارات مناقضة لملة إبراهيم، ومخالفة لحكم الله ورسوله في أي نوع من الأنواع، وسُمي طاغوتاً لإطغائه البشر عن طريق العبودية الصحيحة لله، وتعلقهم بشخصيته هو، وإخضاعهم لإرادته دون هدى الله قهرا، أو دجلًا وتضليلًا كما هو المشاهد في هذا الزمان الذي تفنن فيه تلاميذ الإفرنج ببلورة الأفكار والجناية على العقول، والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد، فكل من جاوز حده في المعصية والضلال فهو طاغٍ، يقال: ((طغى السيل وطغى الماء)) فالرجل الذي يطغي الناس عن هدي رب العالمين بما يلقيه عليهم من فتنة الشبهات والشهوات، باسم جنس أو وطن أو مبدأ أو تقدم أو حضارة أو تحرر وما إلى ذلك من الأسماء الفاتنة الخلابة، فهو طاغوت، وإنما قرن الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، لأن الطاغية بمكره وعظيم دجله يسترق القلب الذي هو الملك في الإنسان، فيجعله مستعبداً متيماً لغير الله، بخلاف الظالم الغشوم الذي يسترق البدن ولا يؤثر في القلب إلا بالامتعاض الجالب للأنقاض، فعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، ولا نجاة اليوم من همزات شياطين الإنس وطواغيتهم إلا بتحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بجميع معانيها ومبانيها، لاسيما في هذا العصر، عصر التهريج والتلبيس والمغالطات التي تحملها أمواج الأثير في الإذاعات وتبثها دور الطبع والنشر من كل حدب وصوب، ممن غايتهم العلو في الأرض واللعب بمقدرات الشعوب تحت ستار الأوهام والأباطيل، إذ مهمة الطاغوت في كل زمان ومكان الجناية على عقولهم حتى يسخرهم لأغراضه، وقد وصفه الله بأبشع وصف وأخبثه على جهة العموم، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ [البقرة: 257].
 
فالطاغوت بجميع أنواعه إذا رأى أتباعه ومقلديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق يفهمهم فساد ما هم عليه، بادر إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونهم من حجب الشبهات وزخارف الأقاويل، التي يلبس بها الحق بالباطل، ويرمي ورثة الأنبياء والدعاة إلى الله بدائه، هو من عمالة الاستعمار ومهادنة الصهاينة مثلاً، وبالرجعية والانتهازية وأصحاب المؤامرات وما إلى ذلك من الألقاب التي تنفر عنهم العوام والمضبوعين إيغالاً بالصد عن سبيل الله بفلسفته الزائفة، فهنا تُشَان طواغيت الأرض في كل زمان ومكان، فقد حكى الله عن فرعون أنه قال لمن آمن بموسى من السحرة: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف:123] فسمى انقيادهم للحق مؤامرة على البلاد، وانطلت هذه الفرية على أتباعه ومقلديه مع بعدها عن الواقع بعداً عظيماً، وما ذاك إلا لاسترقاق الطاغية قلوب الناس وتخنيثه أدمغتهم، وهاهو التاريخ يعيد نفسه، ولشدة تأثير الطاغية على العقول، نص الله في كتابه على أن الفتنة أشد من القتل وأكبر.
 
الثلاثون والحادي والثلاثون: بتحقيق عبودية الله يهون على الإنسان نفسه وماله في سبيل الله، فينجو من الجبن والبخل اللذين استعاذ منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما مصدر الذل والانحطاط الذي وقع فيه المسلمون اليوم لما تلبسوا بهاتين الخلصتين الذميمتين، فلم يحققوا العبودية كما أمرهم الله، إذ بتحقيقها يرتفعون عن البخل والجبن فيقدرون على الوفاء بمبايعة الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فيتحقق عزهم ويشمل حكمهم بالله جميع الأرض، وما أروع تصوير نبينا صلى الله عليه وسلم لهاتين الخصلتين الممقوتتين بقوله: (( شر ما أوتي العبد شح هالع أو جبن خالع))[2]. فالشح يزرع الهلع والنهمة في القلب بحيث يزداد بخله عند زيادة خيره وغناه ويزداد جزعه بأدنى مصيبة، والجبن يزرع فيه الذلة والاستكانة لأي شيء، ويخلع منه العزة والطموح إلى المعالي، وقد أثبتت جميع الوقائع التاريخية أن المقاتل ديناً طلباً للجنة لايهزمه أحد، فلا يصد عن وجه طلبه كما هو موقف المسلمين أمام الفرس والروم الذين كانوا يهزءون من عددهم وعدتهم؛ لأن المحقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، لا يغلبه أحد بإذن الله، إذ يقاتل وفاء بعهد الله يبغي جنته ورضوانه، ناجياً من الشح والجبن وسواه، غير مدفوع بأجرة أو عصبية - فالفرق عظيم -أما الذي يجتمع فيه الشح والجبن معاً فليس محققاً عبودية الله، وكيف يحققها من بخل بماله ولم يُجد بنفسه، إذ من لم ترخص عليه نفسه في مرضاة محبوبه، لابد أن يرخص عليه ماله، فلم يتأخر المسلمون ولم يغلبهم عدوهم إلا باجتماع هاتين الخصلتين اللتين لا ينجي منهما إلا تحقيق العبودية.
 
الثاني والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها القيام بجميع أنواع الصلاح والإصلاح، في كافة المرافق والشئون الفردية والجماعية دون أنانية أو محاباة أو مداهنة، مراعياً حدود الله في التطوير والتنظيم بدون إفراط ولا تفريط، بحيث لا يخرجه ذلك عن اتباع ما أُنزل إليه من ربه إلى إلى اتباع الملاحدة المتحللين أو الطغاة الماكرين.
 
الثالث والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها الصدق في القول والعمل بحيث لا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه أو يأمرهم بما هو منسلخ منه، فيكون أضحوكة ومثلاً سيئاً لعدوه وصديقه.
 
الرابع والثلاثون: عبودية الله الحقة تخلق وعياً جماهيرياً صادقاً لجميع أمم الأرض، تعي به واجبها نحو خالقها وبارئها ومصورها، المنعم عليها بكل شيء، المسخر لها كل شيء، المنمي إحساسها إلى كل شي، فبهذا الوعي الصحيح تتكاثف قواها، ويجتمع شملها على تقوى من الله ورضوان، فيعيشون في إخاء ورخاء لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد، بل يؤثر أحدهم أخاه على نفسه ويتألم لألمه فينصره ولو مع بعد داره؛ لأن عباد الله المؤمنين حقاً في مشارق الأرض ومغاربها كالجسد الواحد، خلاف ما هم عليه الآن من تفكك لا تقبله عبودية رب العالمين.
 
الخامس والثلاثون: عبودية الله الحقة توجب العمل على بناء مجتمع إنساني على أساس دين الله ونظمه وفق الدستور الذي شرعه في سورة (الحجرات) خاصة وغيرها مما أوحاه إلى نبيه عامة ليكفل للإنسانية حقوقها، ولا يلعب بمقدراتها وعقولها، إذ من لم يعمل للإنسانية على أساس ما أُنزل إليه من ربه فهو مفترٍ يلعب عليها حتى يسخرها كأنعام أو يمزق وحدتها ويغريها على التناحر كما هو شأن طواغيت الأرض في هذا الزمان: من هدم الأخلاق، والقضاء على الفضيلة وكبت الحريات وشل حركة التجارة والتحجير على الأعمال باسم بناء الوطن والاشتراكية وما إلى ذلك من تسخير الإنسانية والجناية على عقولها.
 
السادس والثلاثون: القيام بحق العبودية يوجب العمل المتواصل بكل جد ونشاط على تحقيق الوحدة الإنسانية جمعاء تحت إطار الدين وفق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92] إذ بتحقيق العبودية لا تنشأ العصبيات والقوميات المفرقة بين الأجناس والأقاليم، ولا الحدود المصطنعة، لأن كلمة التوحيد المستكملة لمعانيها يجب أن تشمل جميع الأرض ولا يعلوها أحد ولا تعترف بحدود ولا تجزئة، فلا تحقق أمة القرآن معنى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ حتى يعملوا العمل المتواصل لتكون كلمة الله هي العليا في سائر المعمورة، لا يحول بينها حدود ولا سدود، فأهل القرآن هم المسئولون عن التقصير في ذلك، إذ لو ألهبوا حماس الشعوب بواجبهم الديني ودفعوهم إلى الاستعداد بكل قوة وتسخير كل شيء فيها؛ لما استطاع أن يصدهم عن ذلك شيء.
 
السابع والثلاثون: على كل من أراد تحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أن يعتبر الحرية حقاً من حقوق الله لا يجوز له التفريط فيها، فضلا عن التخلي عنها أو السماح لأحد باستلابها منه؛ لأنه بفقد حريته لا يستطيع عبادة الله على الوجه الأكمل، فكان مفرطاً في جنب الله، ومن هنا وجب عليه أن يكون قوياً آخذاً بجميع وسائل القوة مستعداً للجهاد ومكافحة الأشرار، فإن لم تساعده البيئة على ذلك وجب عليه الهجرة إلى بلد يتمتع فيها بالحرية التي يستطيع معها القيام بحق الله، كما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من أشرف البقاع وأحبها إليه بأمر ربه إلى البلد التي استطاع فيها تحقيق دينه وإظهاره حسبما تقتضيه هذه الآية، ومن لم يتأس بنبيه صلى الله عليه وسلم لم يصدق انتماؤه إليه حقيقة، كالذين ارتبطوا بعجلة أعداء الله، وتقبلوا أفكارهم، واستحسنوا نظمهم، فقعدوا عن واجبهم وهو:
الثامن والثلاثون: الذي هو القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية ونقلتها من بني إسرائيل إلى أمة محمد، فمن تقاعس عن حمل أعبائها وعن السعي الحثيث لنيلها فهو مقصر في عبودية رب العالمين، فجميع الأمة مسئولة عن تفريطها بتلك القيادة التي خسر العالم كله بفقدانها العدل والإحسان، وتورط في جحيم المبادئ والنظريات الكافرة، وتخبط في ظلمات الدجل والتضليل التي يبثها طواغيت الأمم من إذاعاتهم وصحفهم وكان له أكبر نصيب من السوء والفرقة والتجزئة.
 
التاسع والثلاثون: عبودية الله - تعالى- لا تسمح أبداً لأي مسلم أن يغير شيئاً عن أنظمة الفطرة التي فطر الله الخلق عليها في سائر الميادين، ولا يقر أحداً على ذلك، فضلاً من أن يستحسن اتجاهه، ذلك أن الإنسانية من أقدم العصور إلى أحدثها تتقلب بين نظامين تعتبرهما أساساً للحياة:
أولها: نظام الفترة النابض بحيوية الحق والخير،وهو الذي تؤيده التشريعات السماوية، وتقبله العقول المستقيمة التي لم تتبلور بالأوهام والأضاليل من العبادات القلبية والبدنية والمالية المقومة لروح المجتمع والجالبة له رضا الله، ومن الأخلاق الحسنة الفردية والعمومية الجالبة للصلاح والفلاح، ومن الروابط الأدبية والاجتماعية الماحقة للأثرة والأنانية، ومن حسن المعاملة والتعاون على البر والتقوى في المنازل والأسواق والأندية والمصانع وسائر الميادين، وتشكيل المحاكم والأحكام ونظم السلم والحرب، وفق ما شرعه الله، مما يلائم تلك الفطرة، ولا يجلب ضرراً ولا ضراراً بأحد في سائر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية.
 
ثانيها: ما يعارض هذه الأنظمة من نظم الجاهلية أو مبتكرات أهل هذا الزمان التي هي شر منها بكثير من التفسخ والانحلال الخلقي باسم التقدم والتخنث، والميوعة باسم الحضارة، وكبت الحريات بدعوى صالح الدولة، أو الثورة وتقديس الأشخاص والتماثيل باسم الفكرة أو المبدأ المنتحل، وتعطيل ما أباحه الله من الاكتساب ومحاربة الأغنياء، وتأميم أعمالهم بدعوى محاربة الاستغلال، وتربية الناس على الإيمان بالمادة واستحلال ما لذ وطاب، فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فمن استحسن هذا النظام الحيواني المرتكز على المادة بجميع أنواعها فهو مجانب لعبودية الله وعابد لشيطانه وهواه، ومن حمل الأمة على ذلك ودعا إليه فهو محاد لله ورسوله يجب على عباد الله بغضه ومنابذته؛ لأنه يريد أن يركس الناس في جاهلية أفظع من الجاهلية الأولى.
 
الأربعون: عبودية الله توجب على صاحبها الاستجابة لجميع نداءات الله في كتابه العزيز، على اختلاف أنواعها وأساليبها دون إهمال شي منها أو التراخي فيه، وهي تقرب من مائة وثلاثة وعشرين نداءً، بعضها بـ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾، وبعضها ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ وبعضها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فمن لم يستجب لكل نداء يناديه به ربه فليس محققاً للعبودية المطلوبة في هذه الآية، وكيف يكون عابداً لله من لا يستجيب له وهو يدعوه لما يحييه حياة طيبة في الدنيا، وينجيه في الآخرة من العذاب، لاشك أن من لم يستجب لنداءات ربه عاص له مناقض في سيرته لجميع مدلول سورة الفاتحة من: حبه، وتعظيم أسمائه، والتعلق به، والقيام بشكره وحمده، والإيمان ببعثه وحسابه، ورجاء رحمته، والخوف من عذابه، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، فأصبح غير محقق لعبوديته المطلوبة فيها، وهذه أكبر بلية المسلمين ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19] فانصاعوا لنداء من يهلكهم كالشاء تنصاع للجزار.
 
الحادي والثاني والأربعون: عبودية الله توجب على العابد أن يجعل لقلبه هجرتين:
هجرة إلى الله: بهجر جميع ما نهى الله عنه، والإقدام على ما أمر الله به، رغبة في وعده، ورهبة من وعيده، وتعظيماً لشأنه، وحباً للقائه بإخلاص وصدق غير مشوبين بحاجة صدر أو تحرج أو توجع، وأن يتمسك بكتابه عملاً كاملاً وتبليغاً؛ لأن من لم يعمل بالكتاب لا يكون مقدراً لرسل الكتاب، وأن يغضب لانتهاك محارمه أزيد مما يغضب لنفسه لو أهينت كرامته؛ فيستعد بكل مقدوره لنصرة ربه جل وعلا، والله لا يخذله.
 
والهجرة الأخرى: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتأسي به في كل شي وتقديم سنته على كل شيء، وتحكيمها في كل شيء، وعدم الحكم عليها من أي شيء، فيدور مع قول الله ورسوله نفياً وإثباتاً، ولا يقدم على أمر من الأمور دون التقيد بها، ولا يرضى عن أي نحلة ورائدها أو عقيدة وواضعها، أو مبادئ ومؤسسها، حتى ينظر إلى موافقتها ملة إبراهيم عليه السلام المأمور باتباعها في القرآن، ومطابقتها حكم الإسلام أصلاً وفرعاً، فينبذ ما خالف الملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، وينابذ من تصدى لمخالفتها من أرباب تلك المبادئ والعقائد العصرية، ويعتبر الداعية إليها والمناصر لها طاغوتاً، لتجاوزه أمر الله وحدوده، لاسيما إذا صد عن سبيل الله بإلقاء الشبهات والأضاليل، أو أخرس الدعاة إلى الله بأي وجه من وجوه، فيكفر به الكفر الذي تستلزمه عبودية رب العالمين، ويتبرأ منه ومن أحبابه ومناصريه، ليكون مهاجراً إلى ربه،متمسكا بالعروة الوثقى، فالهجرة القلبية إلى الله ورسوله بالإخلاص والمتابعة فرض عين على كل شخص وفي كل زمان ومكان، وهي روح الدين وحقيقة الإيمان.
 
أما الهجرة البدنية: فهي:
الثالث والأربعون: وهذه قد تجب مطلقاً، وقد تجب على شخص دون شخص، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، بحسب ما يترتب على الانتقال من الفائدة وعلى عدمه من الفتنة، وفي وجوبها على التحتيم ثلاث حالات:
أحدها: أن يكون المسلم في مكان يفتتن فيه عن دينه، أو لا يتمكن فيه من إقامته، كما يعتقد، فيجب عليه الهجرة إلى البلد الذي يعلم أنه يكون فيه أقوم بحق الله وأدوم على عبادته، ويكون حراً في تصرفه وإقامة دينه؛لأن عدم الهجرة يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي، بحيث يكون غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.
 
ثانيها: احتياج المسلم إلى معرفة الدين والفقه فيه، حيث عدم المرشد في مكانه، فيجب عليه الهجرة ليتلقى ويتعلم ما جهله.
 
ثالثها: إذا كان هناك جماعة أو دولة للمسلمين ضعيفة يخشى عليها من الانصهار في الكتل والمبادئ المخالفة لما أنزل الله، والانجراف في تيار الفسوق والإلحاد، وجب على عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يساعدوها مادياً وأدبياً ومعنوياً، ويشدوا أزرها بكل وسيلة، فإذا توقفت نصرتها على الهجرة وجبت الهجرة إليها حتى على البعيد عنها وجوباً قطعياً لا هوادة فيه، وإلا كان راضياً بضعفها، ومعينًا لأعداء الإسلام على إبطال دعوته، وخفض كلمة الله، لأنه يجب على مجموع المسلمين السعي بكل مجهود لتكوين جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته، وتكون مأوى لأهله ودعاته، يجتمعون بها من البغي والظلم.
 
فمناصرتها والتهافت إليها بالهجرة من أوجب واجبات الدين؛ لأنها بصدق عزيمتهم وقوة إيمانهم تكون لهم مركزاً ونقطة انطلاق إلى العز والسؤدد وإعلاء كلمة الله، وبدونها يذوبون وينصهرون في المجتمعات الفاسدة، ويكون أولادهم عوناً لأعدائهم عليهم، لما يتلقونه في المدارس من الثقافة الاستعمارية.
 
الرابع والأربعون: العابد لله لا يقدم على أي عمل يُنَحّى به الإسلام عن واقع الحياة، معتقداً أنه عائق للحضارة والتقدم كما يسميه تلامذة الإفرنج من أولاد المسلمين؛ لأن في ذلك استدراكا على الله ورسوله واعتقاداً بعدم كفاية النصين، وتنديداً بحكمة الله وانتقاداً لشريعته، ولا يجوز له - أيضاً - إقرار أحد من الملاحدة العصريين على ذلك، ممن شاقوا الله ورسوله باطراح وحيه وهداه، واتباع أساتذتهم من ملاحدة الشرق والغرب، فكانوا ورثة لمن قال الله فيهم: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾ [النساء:51] بل يبذل غاية جهده لصدهم وتحطيم آرائهم وتطهير أدمغة الناشئة من سمومهم.
 
الخامس والأربعون: عبودية الله تحتم على أهلها إسلامية الحكم لا قوميته وفق قوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114]، ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50] فالعابد حقاً تهديه بصيرته المستنيرة بالله إلى أن انتحال القوميات فكرة استعمارية كافرة، ركزها الطواغيت والمخدوعون بهم لفصل الدين عن الدولة وإبعاد الإسلام عن ميادين التشريع والتنفيذ ودفعه إلى الوراء لينزوي في مسجد يُقّلُ داخله، ويسمي أهله (ذوو[3] الأفكار المتخلفة) ويقصر تذكاره قراءة كتابه على المآتم، كما عملوا ذلك وساعدهم المتكلمون باسم الإسلام، وهم عبدة المادة والشيطان وليسوا من عبادة الرحمن في شيء.
 
إن من يريد أو يعمل على إقصاء الإسلام وعزل القرآن عن الحكم ليس عابدا لله ولا مستعيناً به وفق هذه الآية، بل هو معين على نفسه أعداء الإسلام الذين هم أعداؤه، فيكون خادماً لأغراضهم المضادة للوحي من حيث يشعر أو لا يشعر، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]، ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: 67] والعجب أن تلاميذ الإفرنج من أولاد المسلمين أصحاب هذه النزعة لا يبصرون نشاطاً لدول المسيحية التي أغرتهم بإبعاد دينهم عن الحياة في نشر دينها، بل لا يبصرون احتضانها (لإسرائيل) التي هي دين ودولة، ولكنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم فلا يُعتبرون.
 
السادس والأربعون: عبودية الله تقضي على العابد ألا يقف بغير معرفة أحاديث المفترين، ولا يخضع لما سطروا في المذكرات أو في التاريخ فيبني عليه حكماً على فرد أو جماعة أو أسرة من الناس؛ لأن التاريخ في كل الأزمان والعصور يسيطر عليه ذوو السلطان والجاه والنفوذ، فيسخرون الأقلام لما يناسبهم، ويشترون الضمائر المقفرة من تقوى الله لصب الشتائم والقذف بكل تهمة على من يعادونه، ولو كان صحابياً، ويسبغون المدح لسيدهم ومحبوبهم مهما كان، فالعابد لله لا يأخذ ما يسمعه أو يجده كقضية مسلمة،بل يمنعه دينه وعقله من قبول الأخبار عن أي شخص من عدوه، فيسلط عليها الأضواء من كل ناحية، ويكون منها في شك مريب، ولا يضفي ثوب القدسية على أحد خوفاً أو طمعاً، بل يحقق عبودية الله فلا يخاف في الله لومة لائم.
 
السابع والأربعون: العابد لله حقاً يكون معظماً لشعائر دينه، مقدساً لنظمه وتعاليمه، لا يصرفه عنها أو ينفره منها عبث العابثين من حكماء وعلماء يتلاعبون بالنصوص أو يتهاونون في تطبيقها، فيحمل الدين آثامهم، والدين موتور بهم كما وترت بهم شعوب الأرض.
 
الثامن والأربعون: عبودية الله لا تسمح للعابد بموالاة أي عدو لله، ولو كان أقرب قريب، فضلاً عن موالاة المحادين لله ورسوله، من دول الكفر أو معتنقي المبادئ الإلحادية باسم التقدم في الحضارة أو الاقتصاد، فكل من يلقي إليهم بالمودة أو يتفق معهم في ثقافتهم أو تشريعاتهم فهو خارج من عبودية الله إلى عبودية الطاغوت.
 
التاسع والأربعون: العابد لله لا يعمل على إذابة شخصية الأمة ومحوها بسبب مشيه في ركاب من أغروه أو غرروا به في دعاياتهم ودجلهم بالشغف بهم وتركيز محبتهم وتحبيب خططهم وأفعالهم دون عرضها على ما جاء من عند الله، فيكون عابداً للمادة وشياطين الإنس الذين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب.
 
الخمسون: عبودية الله تقضي على أهلها ببغض الذين شرعوا ما لم يأذن به الله في سائر النواحي، ممن يترسم خطط الملاحدة والمستعمرين ولا يتلفت إلى هدي الله ورسوله، وكذلك بغض من يعتقد أو يدعو لحصر الدين في نفوس المؤمنين كأفراد دون تدخله في مشاكل الحياة من حرب وسلم وتحرر واستعمار، فبغض هؤلاء من لوازم عبودية رب العالمين، ومنابذتهم وهتك أستارهم وكشف حقيقتهم للناس من الجهاد في سبيل الله، أما موالاتهم وتحبيذ أفعالهم فهي محادة لله ورسوله، صاحبها متجرد من ولاء الله ورسوله، غير محقق للأمر.
 
الحادي والخمسون: الذي هو أن يجعل العابد غايته لله، وأمره كله لله أولا وآخراً، كما أنه من الله وإلى الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6]. فمن لم يكرس جميع أوقاته في عبودية الله بشتي أنواعها فهو معاكس لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] ولقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ [المؤمنون: 115 ]. وهو إذا لم يقدر الله حق قدره فكيف إذا انضم إلى تفريطه اعتقاد شيء من المبادئ العصرية السالفة الذكر، أو اعتقاد عدم جدوى الشريعة في حل المشاكل، ونحو ذلك من الكلمات التي يطلقها تلامذة الإفرنج في وصية دين الله - تعالى -، فإنه خارج عن عبودية ربه إلى عبودية من انصاع إليه وتقبل أفكاره؛ لأن أول فرض على عباد الله كفر بالطاغوت الذي يطغيهم عن أي نوع من أنواع العبادة، ومن هنا استلزمت عبادة الله أموراً كثيرة سبق ذكر بعضها، ونذكر باقيها - إن شاء الله - بإجمال واختصار، فمنها:
الثاني والخمسون: وهو أن عبودية الله لا تسمح لأحد ما بإيمان عقائدي جديد مما ينادي به قوم من أبناء جلدتنا، تربوا في أحضان الاستعمار، وتتلمذوا على طغاته وملاحدته، فانطبعوا بثقافته، وشغفوا بمدنيته، وتنكروا لدينهم وكتاب ربهم، الذي أنزله ذكراً لهم وشرفاً أيما شرف، فعموا وصموا عن ذكرهم وشرفهم وهداهم، وأخذوا يطالبون الأمة بإلحاح أن تسير سير الأوربين، وتسلك طريقهم في الحضارة، خيرها وشرها، دون استثناء لما يكره منها أو يعاب، وأن تهجر إلى غير رجعة شعائر دينها وإيمانها بالغيب، فلا تؤمن إلا بالمادة والعلم التجريبي الذي فضحه مهرة أهله باعترافهم بعجزه عن كشف كثير من الأسرار المحجوبة، وتفاهم الخلاف بين أهله في الماديات، بحيث اعترف بعض أساطينهم أن بعض ما قرروه أصولاً غداً افتراضاً واتفاقاً أو خيالاً، ونادى منهم عدد غير قليل بإيجاب الإيمان بالغيب، والمضبوعون من أبنائنا لا يزالون في طغيانهم يعمهون، وكل مناداة بإيمان بأي فكرة مادية أو عقائدية مخالفة لوحي الله، فهي غي وضلال وظلم وظلمة، لا يسلكها عباد الله الذين يرجون لقاءه.
 
الثالث والخمسون: إن عباد الله لا يتبعون ما تتلوه شياطين الإنس وطواغيتهم من الولوع بالماديات، وقصر النظر عليها وتجنيد القوى في سبيلها وإشباع الرغبات من نيل الملذات الدنيوية كالأنعام، مما يبعد الإنسان عن رسالته الحقيقية في الحياة، ويجعله في أخس حالة، ويعرضه للاضطرابات وويلات الحروب، لانحطاط أخلاقه بالتسفل إلى المادة، وخراب ضميره بإضاعة ما لله من واجب العبادة.
 
الرابع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها في مشارق الأرض ومغاربها محاربة المكذبين لله، ومقاطعتهم بكل ما أمكن، والتفريق بينهم وبين الصالح من أهليهم والمسلم من أزواجهم، وأعظم أنواع المكذبين ممن يصرح بأن القرآن كتاب بالٍ رجعي لا يتمشى مع حال العصر، أو أن التمسك به مدعاة للتأخر والرجوع إلى الوراء، أو أنه من تلفيق محمد، كما يقوله الموسومون بالألقاب العظيمة في هذا الزمان، وكذلك القائلون بأن الإسلام دين طائفي لا يجوز بناء الحكم عليه، أو سن الدستور والنظم على أساسه، ونحو ذلك مما يعتقده تلاميذ الإفرنج الذين تبوءوا المناصب وهم من أولاد المسلمين، فجروا على الإسلام وأهله وبالاً لم يذوقوه من الاستعمار، ووصمات فاجرة لم يجرؤ طغاة الاستعمار على التفوه بها، فعبودية الله توجب على أهلها بغض هؤلاء ومعاملتهم بما تقدم ذكره، باعتبارهم محادين لله ورسوله، ومن يحبهم وينشرح صدره لما يصدر منهم أو يمشي في ركابهم ويخدم أغراضهم، فهو خارج من عبودية الرحمن إلى عبودية الطاغوت، منسلخ من ولاية الله إلى ولايته؛ لأن الله وصف كتابه ودينه بالهدى والنور والشفاء والحق والرحمة والعصمة من الضلال والشقاء، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأن ليس بعده إلا الضلال،فأي محادة لله ورسوله أعظم من عكس هذه الأوصاف الجليلة، والانحراف عن دين الله ونبذ كتابه، والتصريح بعدم صلاحيتهما، بل بضررهما في الحكم والسياسة، كما يتبجح به المثقفون بثقافة استعمارية، فالإسلام وأهله منكوبون بهم نكبة لم يشهدها التاريخ من قبل أبداً، فمن لم يتبرأ منهم ويسعَ لقمعهم وكشف حقائقهم فليس من عبودية الله في شيء فكيف من يركن إليهم ويتقبل ما يصدر عنهم.
 
الخامس والخمسون: عبودية الله وفق شرعه لا تسمح لأي فرد أو هيئة أو حكومة ما، أن تعمل عملاً مخالفاً لشريعة الله، يبهرج فيه على الناس باسم وطن أو شعب أو قومية أو كيان، أو محاربة استغلال وما إلى ذلك، سواء في التطوير الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ممايخرج فيه عن حدود الله التي حدها لعباده، فالمعتدي على الله بشيء من ذلك نابذ لهذه الآية وغيرها، وراء ظهره، متأسٍ باليهود والنصارى، الذين هم رؤساء هذه المذاهب، والتصاقه بالعروبة مع مخالفته ما جاء به النبي العربي جناية على العروبة ونزول بها إلى مكان سحيق.
 
السادس والخمسون: بتحقيق عبودية الله تتحقق المساواة الصحيحة بين أفراد الإنسانية، فيحصل التمييز بين الخبيث والطيب، والمفسد والمصلح، والأمين والخائن، بحيث لا يرقى هذا إلى درجة هذا، ولا ينزل بهذا إلى ذاك، بل يسوي بين الأمين والأمين، وبين الخائن والخائن وبين المصلح والمصلح وبين المفسد والمفسد،وبين المجرم والمجرم،كلٌّ على حسب ما اقترفه وجناه من خير وشر، ومساواة لا تمنع أن يكون فيها صغير وكبير أو فاضل ومفضول في سيرته وعمله، وإنما تمنع انقلاب أوضاع الناس بأن يكون هذا سيداً وهذا عبداً، أو هذا رباً وهذا مربوباً، أو أن تسخر الفوارق المادية لمسخ الطبيعة والقيم الإنسانية، تلك الفوارق التي نقلت الأوغاد أمجاداً، وتهزأ بذوي السؤدد، وتملأ الأرض فسادًا بارتقاء المفسد إلى درجة المصلح والمجرم إلى درجة المحسن، والخبيث إلى رتبة الطيب، كما هي حال من لم يحققوا عبودية الله في هذا الزمان.
 
السابع والخمسون: بتحقيق عبودية الله يتيسر تحقيق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في جميع الأحوال والميادين، ويعين على ذلك جريان الأمور على وفق ما ذكرناه سابقاً من المساواة التي لا تتحقق إلا بتقوى الله وانعدام الأنانية والمحسوبية اللتين تفاقم شرهما في هذا الزمان، بحيث لا تحصر الانتخابات للمشورة في أهل الثراء، ولا يفسح المجال في الوظائف والدواوين لأبنائهم من دون أبناء الفقراء، ولا تقتل معلومات قوم ومواهبهم على حساب قوم آخرين، بل تقدر الوجاهات والمناصب بحسب الأعمال والمواهب، ويقمع الجشع وتمحى الأنانية، فتتساوى أقدام الأمة في الأعمال والواجبات، وتتهيأ جميع الوسائل والمعونات لاحتراف العاطلين في طلب الرزق من الأمة فيما بينهما بدافع ديني ابتغاء وجه الله، دون الارتكان على الولاة الذين لو صلحوا لما استطاعوا على الإحاطة بكل شيء والاضطلاع بكل واجب، فالشعور بالمسئولية أمام الله يجب أن يشمل كل أحد تجاه الآخر؛ ليتحقق الضمان الاجتماعي ويكونوا عباد الله إخواناً.
 
الثامن والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يعيشوا بإيمان أعزل أمام إلحاد مسلح، بل يسعون غاية السعي بكل مجهود؛ ليكونوا أقوياء مسلحين بجميع أنواع الأسلحة الأدبية والمادية والمعنوية؛ ذوي خبرة بفنون الحرب الباردة والكاوية؛ ليدفعوا الإلحاد في أي ثوب ظهر، ويقمعوا أهله باللسان والسنان، ويكسروا أسلحتهم ويفضحوا فريقهم، وإذا برد سلاحهم لسبب من الأسباب وجب ألا تبرد ألسنتهم ولا تجف أقلامهم، وإلا لم يحققوا عبودية الله المنجية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وسقطوا وانهزموا أمام كل مبطل.
 
التاسع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يتخلفوا عن خوض معركة الدين ضد المنادين بانتهاء عصره، والراغبين في حصره داخل إطار ضيق منعزل عن الحياة، وجعله روحانياً صورياً كما فعله أهل الحل والعقد في بعض الدول التي أغفلت في دستورها التنصيص على دينها الرسمي، والذين تخلفوا عن خوض المعركة معهم وتخاذلوا عن مواجهتهم والاستعداد لقهرهم، لم يحققوا عبودية الله كما أمر،لفساد ضمائرهم بالمادة وركونهم إلى الحياة الدنيا واستحبابهم لها على الآخرة، وتلاشي يقينهم بالله بحيث تركوا الاستعانة به والتوكل عليه المشجعين على العمل، والاستعداد بكل قوة للجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه القائلين ما قالوا، والله - جل وعلا- شرع قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة ليعملوا بمدلولها، فيحققوا ابتهالهم إليه. ومخاطبتهم له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولو حققوا ذلك لما نبت هذا الإلحاد، فضلاً عن انتصاره، فجهل العامة بمدلولها، واستكانة علمائهم إلى الدعة ولذة العيش عن نيل وعد الله في الآخرة، هو الذي أنبت في الدنيا كل إلحاد ومكر ورذيلة، فيا ويل من وقف أمام الله كل يوم عشرات الركعات يردد فيها هذه الآية الكريمة دون عمل بمدلولها؛ لأنه بعيد عن الصدق مع الله، ومن لم يصدق مع مولاه فلا خير فيه وكان عرضة للغضب وكل عقوبة. ومن هنا يدرك القارئ السر في سوء حظ المسلمين الذين يقولون ما لا يفعلون بعدم تنفيذهم لقول الله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10]، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ [النساء: 59] أليس تخلفهم وتخاذلهم أمام تلاميذ الإفرنج الذين عزلوا الإسلام عن الحكم دليلاً على ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر؟ إلا أن المؤمن الذي يرجو لقاء ربه لا يرضى بإقصاء دينه وتحكيم غيره، بل يثور على كل نحلة فاجرة حتى يحيا سعيداً ويموت شهيداً، ولا يترك تلاميذ الإفرنج يستوردون قوانين الدخلاء ويبثون عاداتهم وتقاليدهم، فيرتفع رصيدهم على حساب دين الله، هذا شيء لا يقبله من أسلم وجهه لله وأخلص دينه لله ولم يخش أحدا إلا الله، وإنما يقبل ضعيف الإيمان، عديم الإخلاص، من يخشى الناس من دون الله، ويتزلف إلى طواغيتهم الذين شرعوا لهم ما لم يأذن به الله، وهذا غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بل هو مناقض لقوله، ومسلم وجهه لمن تزلف إليه من الحكام، وانشرح صدره لتشريعاته، ولذا خذل الله المنتسبين للإسلام من ذلك الصنف وجعلهم يوصمون بالرجعية وكل منقصة ممن عبدوه وأسلموا وجوههم إليه، ولم يشفع لهم خدماتهم لسياسته وإفتاؤهم العوام ببذل زكاتهم لنصرته تمشياً لرغباته، فها هي الأقلام تجري والإذاعات تعوي من أولئك النابذين للدين بسبب المنتسبين إليه مع مهادنتهم إياهم والمشي في ركابهم؛ لأنهم فرطوا في جنب الله فأذلهم، ولو عبدوه حقاً ونصروه لحقق لهم وعده الذي كتبه على نفسه بقوله: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، ولكنهم ركنوا إلى الذين ظلموا بتبديلهم قولاً غير الذي قيل لهم، أو جبنوا فانخذلوا أمامهم خشية لهم من دون الله، فسلطهم الله عليهم فزادوهم رهقاً واتخذوهم سخرياً.
 

[1] بسطنا الكلام على أنواع الطاغوت في تفسير هذه الآية أكثر مما هنا؛ لأن لكل مقام مقالاً.
[2] أخرجه أبو داود (2511)، وأحمد (2/302) والبيهقي في سننه (9/170)، وابن حبان في صحيحه(8/42) رقم (3250) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة مرفوعاً به.
[3] مبني على الحكاية في محل نصب مفعول به ثانٍ ليسمى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الفاتحة (1)   الأربعاء نوفمبر 20, 2013 5:03 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتمِ الأنبياء والمرسَلين.
 
وبعد:
فهذا تفسيرٌ منتقى من تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي، وأيسر التفاسير للجزائري، وأضواء البيان للشنقيطي.
 
فباسم الله نبدأ:
قال الشيخ أبو بكر الجزائري - يرحمه الله - في مقدمته: "وإنِّي أُطالب المسلم أن يقرأَ أولاً الآيات حتى يحفظَها، فإذا حفظها درَس كلماتها حتى يفهمَها، ثم يدرس معناها حتى يعيَه، ثم يقرأ هدايتها للعمل بها، فيجمع بيْن حِفظ كتاب الله تعالى وفَهْمه والعمَل به، وبذلك يسود ويكمُل ويسعد - إنْ شاء الله تعالى.
 
وقدْ جاء في الحديثِ عندَ مسلم: ((إنَّ الله تعالى يرفَع بهذا الكتاب أقوامًا ويَضَع آخرين))، وفي الحديث الصحيح: ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعَلَّمه)) اهـ.
 
وقد أخْرج الطبريُّ بإسنادٍ صحيح عن ابنِ مسعود موقوفًا - لكنه مرفوعٌ معنًى - أنَّه قال: كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنَّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ، وأخرج ابنُ أبي شَيبة - وغيره - بإسنادٍ حسَن عن أبي عبدالرحمن - مِن كبار التابعين - قال: حَدَّثَنا الذين كانوا يُقرِئوننا - أي الصحابة -: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقترِئون من رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عَشْرَ آياتٍ، فَلا يَأْخُذونَ في العَشْرِ الأُخرى حتى يَعْلَموا ما في هذه مِن العِلم والعمَل، قالوا: فعَلِمنا العِلمَ والعمَل.
 
التفسير: لُغةً: الشَّرْح والبيان، واصطلاحًا: شرْح كلام الله ليُفهم مُرادُه تعالى منه فيُطاع في أمرِه ونهيه، ويُؤخَذ بهدايته وإرشاده، ويُعتبر بقصصه، ويُتَّعظ بمواعظه.
 
السورة: السورة قِطعة مِن كتاب الله تشتمل على ثلاثِ آيات فأكْثر.
 
وسُور القرآن الكريم مائةٌ وأربع عَشرةَ سورة، أطولها "البقرة" وأقصرها "الكوثر".
 
ولفظ السُّورة مشتقٌّ إمَّا من سُور البلد؛ أي: لارتفاعها وعلوِّ شأنها، أو مِن سؤر الشراب، وهي البقيَّة؛ إذ هي بقيَّة من كتاب الله تعالى؛ أي: قِطعة منه، وكونها مشتقَّة مِن الرفعة وعلو الشأن أوْلَى، ويشهَد لذلك قولُ الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً
تَرَى كُلَّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
 
الآية: في اللغة: العلامة، ومنه قول الشاعر:
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا
لِسَتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ
 
أطول آية في القُرآن آية الدَّين في آخِر البقرة.
 
الآية في القرآن: جُملة مِن كلام الله تعالى، تحمِل الهُدى للناس بدَلالتها على وجودِ الله تعالى وقُدرته وعِلمه، وعلى نبوَّة محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسالته، وآيات القُرآن الكريم ستَّة آلاف ومائتا آية وزِيادة - ما بيْن أربع آيات إلى أربعين آية على خِلاف بيْن علماء العدَد.
 
سورة الفاتحة:
هي مكيَّة على الراجِح؛ لقوله تعالى  مِن سورة الحجر - وهي مكيَّة بلا خِلاف -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87].
وآياتها سبع كما في الآية.
هي أعظمُ سورةٍ في القرآن؛ لحديث البُخاري عن أبي سعيد بن المعلَّى أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال له: ((لأعلمنَّكَ أعظمَ سورةٍ في القرآن))، وقالَ رَسولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في سُنن الترمذي بإسناد حسَن صحيح -: ((والَّذي نفْسي بيدِه، ما أُنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفُرقان مثلها، وإنَّها سبعٌ مِن المثاني والقُرآن العظيم الذي أُعطيتُه)).
 
﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ [سورة الفاتحة].
 
الفاتحة: فاتِحة كلِّ شيءٍ بدايته، وفاتحة القُرآن الكريم: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾؛ ولذا سُمِّيت الفاتحة.
 
ولها أسماء بلَغ بها صاحبُ الإتقان نَيِّفًا وعشرين اسمًا، ولم يرد في السُّنة مِن ذلك سوى أربع: فاتحة الكتاب، وأمّ القرآن، والسبع المثاني؛ لأنها تُثنى في كلِّ ركعة مِن الصلاة، وأم الكتاب؛ لاشتمالها على أصولِ ما جاء في القرآن مِن العقائد والعبادات والشرائع والقصص.
 
آيات الفاتحة سبع بدون البسملة، وقيل: البسملةُ هي الآية السابعة، وإليه ذهَب الشافعي فأوْجَب قراءتها في الصلاة.
 
فائدة: على القول بأنَّ البسملة ليستْ آية مِن الفاتحة تكون ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية السادسة، و﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ الآية السابعة، بدلاً مِن أن تكونا آية واحدة.
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
الاستعاذة: قول العبد: أعوذ بالله مِن الشيطان الرَّجيم.
أعوذ: أستجير وأتحصَّن.
 
فائدة: العياذ بالله تعالى يكون للاستجارة به مِن المكروه، واللِّياذ بالله تعالى يكون لطلَبِ المحبوب، يشهَد لهذا قول الشاعر:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لاَ يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلاَ يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
 
الشيطان: إبليس - لعنه الله.
الرجيم: المرْجُوم المبعَد المطرود مِن كلِّ رحمة وخير.
 
معنى الاستعاذة: أستجير وأتحصَّن بالله ربي مِنَ الشيطان الرَّجيم أن يلبِّس عليَّ قِراءتي، أو يضلَّني فأهلِك وأشقَى.
 
حُكم الاستعاذة:
1- تُشرَع؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98]، وذلك لكلِّ مَن يُريد قِراءة شيءٍ من القرآن، سورة فأكثر أن يقول: أعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم، ثم يقرأ.
2- تُستحَبُّ لمن غضِب، أو خطَر بباله خاطرُ سوء.
 
﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (1) ﴾:
البسملة: قول العبْد: بسم الله الرحمن الرحيم.
الاسم: لفْظٌ جُعِل علامة على مُسَمًّى يعرف به ويتميَّز عن غيره.
الله: اسم عَلَم على ذات الربِّ - تبارك وتعالى - يُعرف به.
 
لم يُسمَّ به غيرُ الله تعالى، وهل هو جامِد أو مشتقٌّ مِن ألِهَ يأله إلهة، وأُلوهة إذا عبَد؟ الراجح أنَّه مشتقّ؛ فالإله بمعنَى المألوه؛ أي: المعْبود، فلفظُ إله اسمُ جِنس يُطلَق على كلِّ معبود بحقٍّ كالله - جلَّ جلالُه - أو بباطِل كسائرِ الآلِهة.
 
فالله: هو المألوه المعبود بحقٍّ، المستحق لإفرادِه بالعبادة؛ لما اتَّصف به مِن صفات الألوهية، وهي صفاتُ الكمال.
الرَّحْمَن: اسم مِن أسماء الله تعالى مشتقٌّ مِن الرَّحْمة دالٌّ على كثرتِها فيه تعالى.
 
رُوي - بإسنادٍ ضعيف كما عندَ الطَّبَري - أنَّ عيسى - عليه السلام - قال: الرحمن رحمن الدُّنيا والآخرة، والرَّحيم رحيم الآخِرة، وأعمُّ منه قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في المستدرَك على الصحيحين-: ((رحمن الدنيا والآخِرة ورَحيمهما)).
 
الرَّحِيم: اسم وصِفة لله تعالى مشتقٌّ مِن الرَّحمة، ومعناه ذو الرَّحمة بعبادِه المفيضة عليهم في الدُّنيا والآخِرة.
 
فمعنى ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أنَّهما اسمان دالاَّن على أنَّه تعالى ذو الرحمة الواسِعة العظيمة التي وسعتْ كلَّ شيء، وعمَّت كلَّ حي - فالنِّعم كلها أثرٌ مِن آثار رحمته - وكتَبها للمتَّقين المتبعين لأنبيائه ورُسله، فهؤلاء لهم الرحمةُ المطلَقة، ومَن عداهم فلهم نصيبٌ منها. (وسيأتي شيء مِن التفصيل لاحقًا في الفاتحة - إنْ شاء الله تعالى).
 
معنى البسملة: القارِئ يقول: أبتدِئ قراءتي متبركًا بكلِّ اسم لله تعالى؛ لأنَّ لفظ (اسم) مفرَد مضاف، فيعمُّ جميعَ الأسماء الحسنى.
 
فائدة: يقدّر متعلّق الجار والمجرور - بسم الله - بحسبِ المقام، فالقارئ يقول: بسم الله أبتدِئ قِراءتي، والكاتب يقول: بسم الله أبتدئ كتابتي، والآكِل يقول: بسم الله أبتدِئ أكْلي، وهكذا.
 
حُكم البسملة:
مشروع للعبْد مطلوبٌ منه أن يُبسمل عندَ قِراءة كلِّ سورة من كتاب الله تعالى، إلا عندَ قراءة سورة التوبة فإنَّه لا يبسمل، وإنْ كان في الصلاة المفروضة يبسمل سرًّا، وإنْ كانت الصلاة جهريَّة.
ويُسنُّ للعبد أن يقولَ باسمِ الله عندَ الأكْل - للحديثِ المتَّفق عليه عندَ الشيخين: ((يا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيك)) - والشرب، ولبس الثوب، وعندَ دخول المسجِد والخروج منه، وعند الرُّكوب، وعند كلِّ أمرٍ ذِي بال.
كما يجِب عليه أن يقول: بسم الله، والله أكبر عندَ الذَّبْح والنَّحْر.
 
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾:
﴿ الْحَمْدُ ﴾: الوصْف بالجميل، والثناء به على المحمود ذِي الفضائل والفواضِل، كالمدْح، والشكر.
 
فائدة: هناك فرْق بين المدح والحمد والثناء، فالحمدُ يكون على الجميل الاختياري، كما يُحمد الله تعالى على لُطفه ورحمته وإحسانه.
 
وأما المدح فإنَّه يكون على الاختياري والاضطراري، كما يُمدَح الإنسان على جمال وجهِه وهو ليس فِعله، وعلى إحسانه الذي هو عمَله الاختياري، والثناء: المدْحَ وتَكراره مرةً بعد مرة.
 
فائدة: قال الإمام البغويُّ في شرْح السنَّة لما روى أن رسول اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الحمدُ رأس الشُّكْر، ما شكَر اللهَ عبدٌ لا يحمده)): "قيل: الحمدُ هو الشُّكْر، وقيل: الحمد أعمُّ، فإنَّ الحمد يكون بمعنَى الثناء عليه بما فيه مِن خِصال الحمد، كما يكون على نِعمه، يقال: حمدتُ فلانًا على ما أسْدَى إليَّ مِن النعمة، وحمدتُه على عِلمه وشجاعته، والشُّكر لا يكون إلاَّ على النِّعمة، فالحمد أعمُّ مِن الشكر؛ إذ لا يقال: شَكرتُه على عِلمه، فكل حامِد شاكر، وليس كلُّ شاكر حامدًا، وقيل: الحمدُ باللسان قولاً؛ ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾، وإظهارًا؛ ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾، والشكر بالأرْكان فعلاً؛ ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ﴾، وقيلَ: الحَمْدُ: الرِّضا.
 
﴿ لِلَّهِ ﴾: اللام حرْف جرٍّ، ومعناها الاستحقاق؛ أي: إنَّ الله مستحقٌّ لجميع المحامد.
فيكون المعنى ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾؛ أي: الثناء على الله بصِفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بيْن الفضْل والعدل، فله الحمدُ الكامل بجميع الوجوه.
﴿ رَبِّ ﴾: السيِّد المالك، المربِّي لجميع العالَمين، المصلِح.
 
فائدة: تربيته تعالى لخلْقه نوعان: عامَّة وخاصَّة.
 
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورَزْقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بَقاؤهم في الدُّنيا.
والخاصَّة: تربيته لأوليائه، فيربِّيهم بالإيمان، ويوفِّقهم له، ويكمِّله لهم، ويدفع عنهم الصوارِف والعوائِق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكلِّ خير، والعِصمة عن كلِّ شر.
 
لطيفة: ولعلَّ هذا المعنى هو السرُّ في كونِ أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الربّ؛ فإنَّ مطالبهم كلها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصَّة.
 
﴿ الْعَالَمِينَ ﴾: جمْع عالَم، وهو كل ما سِوى الله تعالى، كعالَم الملائكة، وعالَم الجن، وعالَم الإنس، وعالَم الحيوان، وعالَم النبات.
 
من البيان: في قوله - تعالى -: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ لم يذكُر لحمدِه هنا ظرفًا مكانيًّا، كقوله: ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الروم: 18]، ولا زمانِيًّا كقَوْله: ﴿ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ﴾ [القصص: 70]؛ وبذلك يكون المعنى هنا عامًّا لذلك جميعًا.
 
الألف واللام في ﴿ الحَمْد ﴾ لاستغراقِ جميع المحامِد واستحقاقه لها - عز وجل، وهو ثناء خبَر أثْنَى به تعالى على نفْسه، وفي ضمنه أمر إنشاء لعباده أن يُثنوا عليه به.
 
وكذلك الأمر في قوله - تعالى -: ﴿ رَبِّ العَالَمِين ﴾ فلم يبيِّن فيها ما العالمون كما في قوله: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: 23 - 24].
 
فائدة: قال بعضُ العلماء: اشتقاق العالَم مِن العلامة؛ لأنَّ وجود العالَم علامةٌ لا شكَّ فيها على وجودِ خالقه.
 
﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾:
اسمان وُصِف بهما اسم الجلالة "الله" ثناءً عليه، تقدَّم الكلام عليهما.
وهما وصْفان لله تعالى، واسمان مِن أسمائه الحسنى مشتقَّان مِن الرحمة على وجهِ المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم.
أكثرُ العلماء على أنَّ (الرحمن) هو ذو الرحمة الشامِلة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخِرة، والرَّحيم ذو الرحمة للمؤمنين يومَ القيامة، وفي كلام ابن جرير ما يُفهم منه الاتفاق على هذا.
 
قال - تعالى -: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، فذكَر الاستواء باسمه الرَّحمن؛ ليعمَّ جميع خلْقه برحمته، حتى الطير؛ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾ [الملك: 19].
وقال: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، فخصَّهم باسمه الرحيم.
 
مسألة: كيف يُمكِن الجمع بيْن ما قرَّرنا، وبيْن ما جاء في الدعاء المأثور مِن قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رَحْمن الدُّنيا والآخِرة ورحيمهما))؟
يقول صاحب أضواء البيان  - رحمه الله - بتصرف: الظاهِر - والله أعلم - أنَّ الرحيم خاصٌّ بالمؤمنين كما ذكَرْنا، لكنَّه لا يختص بهم في الآخرة؛ بل يشمل رحمتَهم في الدنيا أيضًا، فيكون معنى: ((رحيمهما)) رحمته بالمؤمنين فيهما، ومما يدلُّ على ذلك قوله - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43].
 
هداية الآيات:
في هذه الآيات الثلاث مِن الهداية ما يلِي:
1- أنَّ الله تعالى يحبُّ الحمْد؛ فلذا حمد تعالى نفْسَه وأمَر عباده به.
2- أنَّ المدح يجب أن يكونَ لمقتضٍ، وإلا فهو باطِل وزور؛ فالله تعالى لَمَّا حمد نفْسَه ذكر مقتضَى الحمد، وهو كونه ربَّ العالمين، والرحمن الرحيم، ومالك يوم الدِّين.
 
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾:
قرأ حفص ﴿ مَالِكِ ﴾ باسم الفاعِل، وقرأ نافع (مَلِكِ) بدون ألف وهما قراءتان سبعيَّتان.
مالك هو مَن اتَّصف بصفة الملك المتصرّف كيف يشاء؛ يأمُر وينهى، ويُثيب ويعاقب، ويتصرَّف بمماليكه كما يشاء.
ملك؛ أي: ذو السلطان، الآمِر الناهي، المعطي المانع، بلا ممانع له ولا منازع.
 
﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾: يوم الجزاء والحساب؛ لما في الحديث الذي حسَّنه الترمذي: ((الكيِّس مَن دان نفْسه - أي: حاسبها - وعمِل لما بعد الموت، والعاجِز مَن أتْبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأمانيّ))، وهو يوم القيامة يوم يُدان الناس فيه بأعمالِهم، خيرِها وشرِّها، وقد بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [الانفطار: 18 - 19].
 
فائدة: أضاف الملك ليوم الدِّين، والحاصل أنَّ الله - تبارك وتعالى - مالك ليوم الدين ولغيره مِن الأيَّام؛ فلماذا؟ - لأنَّ في ذلك اليوم يظهَر للخلْق تمامَ الظهور كمالُ ملكه وعدله وحِكمته، وانقطاع أملاكِ الخلائق، بل يَستوي في ذلك اليوم الملوك والرَّعايا، والعبيد والأحرار.
 
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾:
﴿ إِيَّاكَ ﴾: ضميرُ نصْب يخاطب به الواحِد.
﴿ نَعْبُدُ ﴾: نُطيع مع غاية الذلِّ لك والتعظيم والحب.
والعبادة: اسمٌ جامِع لكلِّ ما يحبه الله ويرْضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
﴿ نَسْتَعِينُ ﴾: نطلُب عونَك لنا على طاعتك.
الاستعانة هي الاعتمادُ على الله تعالى في جلْب المنافِع، ودفْع المضار، مع الثِّقة به في تحصيلِ ذلك.
 
من البيان: في الآية أسلوب تقدّم فيه المعمول ليفيد الحصْر، وهو إثبات الحُكم للمذكور، ونفيه عمَّا عداه، فيكون المعنى: نعبدك ولا نعبُد غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بغيرك، وذلك يكافئ معنى: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، فالنفي والاستثناء أيضًا يُفيد الحصر.
 
فائدة: وقدّم العبادة على الاستعانة مِن باب تقديم العام على الخاص، ولتقديم حقِّه تعالى على حقِّ عبْده، فذَكر (الاستعانة) بعدَ (العبادة) مع دخولها فيها؛ وذلك لاحتياج العبْد في جميع عباداته إلى الاستعانةِ بالله تعالى.
 
فائدة: تكون العبادةُ صحيحة، إذا كانتْ مأخوذةً عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقصودًا بها وجه الله.
 
نكتة بلاغية: بمقارنة هذه الآية مع التي سبقتْها نجِد الالتفاتَ من الغَيبة إلى الخطاب، وهو مِن المحسِّنات البديعية.
 
من هداية هذه الآية ما يلي:
آداب الدعاء، حيث يُقدِّم السائل بين يدي دعائه حمدَ الله والثناءَ عليه وتمجيده، وزادتِ السُّنة الصلاةَ على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم يسأل حاجتَه، فإنَّه يُستجاب له.
 
روى الإمام أحمد وغيره بإسناد جيِّد عن أبي سعيد، أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما مِن مسلمٍ يدْعو بدعوةٍ ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحِم، إلاَّ أعطاه الله بها إحْدى ثلاث: إما أن تعجَّل له دعوتُه، وإمَّا أن يدَّخرها له في الآخِرة، وإمَّا أن يُصرَف عنه مِن السوء مثلها))، قالوا: إذا نُكثِر، قال: ((الله أكثر)).
 
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾:
﴿ اهْدِنَا ﴾: أرشِدْنا وأدِمْ هدايتنا.
﴿ الصِّرَاطَ ﴾: الطريق الموصل إلى رِضاك وجنتك، وهو معرفةُ الحق والعمل به، فاهْدِنا إلى الصِّراط؛ أي: الإسلام لك، واهدِنا في الصِّراط؛  أي: لجميع التفاصيل الدينيَّة علمًا وعملاً.
﴿ الْمُسْتَقِيمَ ﴾: الذي لا مَيل فيه عن الحقِّ، ولا زيغ عن الهُدى.
 
فائدة: الهداية نوعان: هداية بيان وإرْشاد، وهذه تُطلَب من ذوي العِلم؛ فهُم يبيِّنون للسائل طرقَ الخير ويرشدونه إليها.
 
وهداية توفيق إلى اعتقادِ الحقِّ ولزومه في الاعتقاد والقول والعمل، وهذه لا تُطلَب إلاَّ مِن الله تعالى، ومنها هذه الدعوة: اهدِنا الصِّراط المستقيم، ويشهَد للهداية الأولى - وهي هداية البيان - قولُه تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، ويشهد للثانية قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56]، فأثْبَت لنبيه هدايةَ البيان، ونفَى عنه هدايةَ التوفيق، وهي الهداية القلبيَّة الباطِنة.
 
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾:
﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾: بيَّن الله ذلك في قوله تعالى مِن سورة النِّساء ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69] مَن أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفتِه، ومعرفةِ محابِّه ومساخطه، والتوفيق لفِعْل المحاب وترْك المكاره.
 
من هداية الآية ما يلي:
1- الاعتراف بالنِّعمة.
2- طلَب حُسن القُدوة.
 
مِن مُلح التفسير:
يُؤخَذ مِن هذه الآية الكريمة صحَّة إمامة أبي بكْر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - لأنَّه داخلٌ فيمَن أمَرَنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم -  أعْني الفاتحة - بأن نسأله أن يهديَنا صراطَهم، فدلَّ ذلك على أنَّ صِراطهم هو الصراط المستقيم؛ فقد بيَّن - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - مِن الصِّدِّيقين، فاتَّضح أنَّه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرَنا الله أن نسأله الهداية إلى صِراطهم.
 
﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾:
﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ الذين عرَفوا الحقَّ وترَكوه كاليهود، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾[البقرة: 90]، ونحوهم.
﴿ الضَّالِّينَ ﴾ الذين ترَكوا الحقَّ على جهل وضلال، كالنَّصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77]، ونحوهم.
 
هذه السُّورة على إيجازها تضمَّنت:
1- أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الرُّبوبيَّة يُؤخَذ مِن قوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
وتوحيد الإلهيَّة، وهو إفرادُ الله بالعبادة، يُؤخَذ مِن لفظ: ﴿ اللَّهِ ﴾، ومِن قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾.
وتوحيد الأسماء والصِّفات، وهو إثبات صِفات الكمال لله تعالى، التي أثبتَها لنفْسه، وأثبتَها له رسولُه من غير تعطيلٍ ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دلَّ على ذلك لفظ ﴿ الْحَمْدُ ﴾ - كما تقدَّم.
2- إثبات النبوَّة في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾؛ لأنَّ ذلك ممتنع بدون الرِّسالة.
3- وإثبات الجَزاء على الأعْمال في قوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، وأنَّ الجزاء يكون بالعدْل؛ لأنَّ الدِّين معناه الجزاء بالعدل.
4- وإثبات القدَر، وأنَّ العبد فاعلٌ حقيقة، خلافًا للقدرية والجبرية.
5- الردّ على جميع أهل البِدع والضلال في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾؛ لأنَّه معرفةُ الحق والعمل به، وكل مبتدِع وضال، فهو مخالفٌ لذلك.
6- وتضمَّنتْ إخلاص الدِّين لله تعالى؛ عبادةً واستعانةً، في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.
 
فالحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
المدير
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 601
نقاط : 1371
تاريخ التسجيل : 09/11/2013

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الفاتحة (1)   الأربعاء نوفمبر 20, 2013 5:04 pm

الفاتحة


نقف اليوم مع سورة قصيرة تسكب في النفس السكينة وتفيض على القلب الطمأنينة، سورةٌ عظيمة المعنى جليلة المبنى.
 
هي الواقية لأنها تقي قارئها من السوء وهي الشفاء يستشفي بها المريض وهي الصلاة فلا تصح الصلاة بدونها وهي السبع المثاني لأنها تثنى وتكرر في كل صلاة.
 
هي سورةٌ عجيبة لأنها أصل لكل خير وأساس لكل معروف وكنزٌ لكل شيء شافيةٌ من كل داء كافيةٌ من كل هم وافيةٌ بكل مرام واقيةٌ من كل سوء.
 
سورةٌ افتتح الله جل وعلا بها كتابه وفرض قراءتها سبعة عشر مرة في كل يوم وليلة ويكفي في ذلك دلالة على أهميتها وعظم معانيها.
 
هي أم الكتاب هي الشافية هي الكافية هي النور هي الفاتحة لأن القرآن افتتح بها وهي الحمد لأنها بدأت بالحمد ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ... السورة.
 
يقول الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ يقول النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني[1] فحري بنا أن نتأملها وأن نستحضر معانيها وأن ندقق في أسرارها.
 
أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان - أي: القرآن - مثلها، إنها السبع المثاني)). يقول ابن القيم رحمه "أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[2].
 
وعن أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي فدعاه قال فصليت ثم أتيته قال فقال ما منعك أن تجيبني قال كنت أصلي قال ألم يقل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم لأعلمنك أعظم سورة من القرآن أو في القرآن شك خالد قبل أن أخرج من المسجد قال قلت يا رسول الله قولك قال الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم .
 
واسمعوا إلى هذا الحديث العجيب المهيب الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله مجّدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)). فما أجملها من مناداة وما أعظمها من مناجاة بين الخالق والمخلوق وبين الحبيب والمحبوب حمدٌ وثناء وتمجيد ومسألةٌ ودعاءٌ وتوحيد.
 
روى مسلم عن عبد الله بن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: بينَما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماءِ فتِح اليومَ، لم يفتَح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلكٌ نزل إلى الأرضِ لم ينزِل قطّ إلاّ اليوم، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَين أوتيتَهما لم يؤتاهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب وخواتيمُ سورة البقرة، لن تَقرَأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطيتَه.
 
﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال فهو سبحانه أهلٌ للثناء والمجد له الملك وله الحمد أنعم علينا بالنعم العظيمة والآلاء الجسيمة فاستحق الحمد.
 
ذكر ابن حجر رحمه الله أن عمران بن الحصين الصحابي المشهور مكث 30 سنة لا يرتفع عن فراشه وكان يردد ويقول الحمد لله رب العالمين الحمد لله رب العالمين الحمد لله رب العالمين.
 
الحمد لله في السراء والضراء الحمد لله حمداً يليق بجلاله وعظمته وسلطانه يقول النبي صلى الله عليه وسلم (والحمد لله تملأ الميزان).
 
كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا صلى حمد الله ثلاثا وثلاثين مرة وإذ أراد أن ينام حمد الله ثلاثا وثلاثين مرة وإذا أكل أو شرب حمد الله وإذا عطس حمد الله وإذا رأى رؤيا يحبها حمد الله وإذ أصابته مصيبة حمد الله وإذا رأى مبتلى ابتلاه الله حمد الله وأخبر أن ((أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))
 
﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الرب هو المالك المتصرف والعالمين جمع عالَم وهو كل موجود سوى الله كعالم الإنس وعالم الجن وعالم الطير وعالم الحيوان وعالم النبات فإن الله جل جلاله رب العالمين هو سبحانه وتعالى رب الجميع رب السماوات ومن فيهن ورب الأرضين ومن فيهن ورب ما بينهن.
 
﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان من أسماء الله سبحانه وتعالى يدلان على أن رحمته وسعت كل شيء وعمت كل حي.
 
والرحمن تدل على السعة والشمول فهو رحمن بكل الخلق مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم والرحيم ذو الرحمة ا لخاصة بالمؤمنين كما قال الله (وكان بالمؤمنين رحيما).
 
وأبشروا يا عباد الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله كتب كتابا فهو مكتوبٌ عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي. وفي رواية غلبت غضبي ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يوم الدين هو يوم القيامة والله جل وعلا يملك يوم القيامة ويملك غيره من الأيام وإنما خصه هنا لأنه يظهر للخلق في يوم القيامة أن كل شيء ينقطع وينفصل ويبقى الرجاء والأمل في الله وحده لا شريك له فحتى الأنبياء كل منهم يقول نفسي نفسي يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم يفر المرء من أخيه ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾.
 
فما دام أن الله سبحانه وتعالى هو المالك ليوم الدين وحده فلا بد أن نتضرع إليه ونبتهل إليه أن ينجينا من أهوال يوم الدين .
 
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ كتب الإمام ابن القيم رحمه الله كتاباً في ثلاثة مجلدات يشرح فيه هذه الآيةٍ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ سماه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
 
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أي: نخصُّك يارب بالعبادة، ونخصّك بالاستعانة، فلا نعبد غيرَك، ولا نطلُبُ إلاّ عونَك، ولا نستَغني عن فضلِك، ولا نستعِين بسواك.
 
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إقرارٌ منا بعجزنا وضعفنا عن عبادة ربنا فإننا لن نستطيع أن نعبد الله حق عبادته إذا لم يعنا على طاعته ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾.
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية) فمن أراد السعادة فليلزم طريق العبادة.
 
وقال رحمه الله تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العبد ربَّه العونَ على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإن فيها إظهار الحاجة والفقر لرب العالمين.
 
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تشعر المسلم أنه قوي بالله فما استعان عبدٌ بالله إلا أعانه الله ومن توكل على مولاه كفاه فأستعن بالله ولا تتعلق بأحد سواه يقول النبي صلى الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله). ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
 
الخطبة الثانية
الحمد لله منزل القرآن رحمة للعالمين ومناراً للسالكين وحجة على العباد أجمعين.
 
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾.
 
والصلاة والسلام على خير خلق الله من اصطفاه ربه واجتباه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
 
أما بعد:
عباد الله:
يقول الله بعد ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.
﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ دعاءٌ صريحٌ من العبد لربه يتضرع إليه ويلح عليه أن يرزقه الهداية إلى الطريق الصحيح وأن يوفقه إلى الإهتداء للصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، وعصمهم من الضلال والزلل؛ فلم يكونوا كاليهود الذين ضلوا عن سواء السبيل، ولم يكونوا كالنصارى الذين عبدوا الله بغير دليل.
 
﴿ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ﴾ وهم اليهود الذين غضب الله عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت يقول الله عنهم ﴿ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾ ويقول عنهم ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ لأنهم عرفوا الحق وعلموه لكنهم عاندوه وتبرأو منه ولم يعملوا به، فكل من عرف الحق ولم يعمل به ففيه شبه منهم.
 
﴿ وَالضَّالِّينَ ﴾ هم النصارى الذين قال الله عنهم ﴿ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ لأنهم لم يتعبدوا الله بما أنزله الله وشرعه وإنما تعبدوه بالبدع والمحدثات ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ فكل من عبد الله بالبدع والمحدثات ففيه شبه منهم أعاذنا الله وإياكم.
 
ولهذا أمرنا الله أن نسأله في كل يوم وليلة أن يهدينا إلى الصراط المستقيم لأن الهداية هي السعادة الحقيقة واللذة الأبدية والحياة الطيبة في الهداية تجد النفوس حلاوتها وسعادتها وتجد القلوب قوتها وحريتها ويوم ابتعدنا عن الهداية كثرت البدع والخرافات وانتشر السحر والشعوذات وزاد الزنا والكذب والمنكرات.
 
اهدنا الصراط المستقيم إذا ضلت العقول والأفهام وشطت الآراء والأقلام واشتد الضلال والظلام.
 
اهدنا الصراط المستقيم إذا ضاقت الأنفاس واشتد القنوط واليأس وحل الضر و البأس.
 
يقول الله جل جلاله في الحديث القدسي يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه فاستهدوني أهدكم.
 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن حاجة الناس إلى هذا الدعاء يعني ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب ولهذا أمرنا الله أن نكرره في كل ركعة من ركعات الصلاة.
 
ثم شرع لنا بعد هذا الدعاء أن نقول (آمين) ومعنى (آمين) أي اللهم استجب يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.
 
هذه كلمات يسيرات في معاني هذه الآيات العظيمات اسأل الله أن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن العظيم وأن يرزقنا تلاوته وتدبره آناء الليل وأطراف النهار.على الوجه الذي يرضى به عنا.
 


[1] صحيح سنن أبي داود 2 / 71
[2] مدارج السالكين (1/74)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hossam2014.yoo7.com
 
تفسير سورة الفاتحة (1)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاحلام :: المنتديات الشرعية :: منتدى القرآن الكريم وعلومة :: تفسير القرآن الكريم-
انتقل الى: